منذ 7 سنة | 2357 مشاهدات
بدا من العديد من التعليقات التي سمعتها على مقالاتي السابقة في الموضوع (ولا أدري لماذا لم يصلني أي تعليق مكتوب) أن قرائي الأعزاء قد تعاملوا مع كلامي على أنه مجرد خلاف في التاكتيك، أي أنه وجهة نظر مختلفة في الوسائل التي ينبغي أن تتبعها الجماعة لتحقيق أهدافها، بينما كان ما كتبته في الواقع خلافا منهجيا وجذريا وعميقا حول فهم اهداف الجماعة ومبرر وجودها، هذا إذا اتفقنا على أن أهداف جماعة الإخوان تتجلى بأفضل صورها في فكر الإمام المؤسس رحمه الله وأسلوبه في العمل، فإن ما اقترحته هو أن هذه الجماعة العريقة قد ابتعدت عن خط الإمام، وعليها أن تعود إلى منهجها الأصيل الذي عليه قامت.
لم ألتق بالطبع بالإمام رحمه الله، فقد ولدت بعد عامين من استشهاده رضي الله عنه، لكني قرأت بإمعان وتركيز أهم عناصر تركته الفكرية، رسائله ومذكراته، واستمعت في شبابي إلى عدد من الشيوخ الذين إلتقوا به وسمعوا منه، وأحسب أني خرجت من كل ذلك بفكرة واضحة جلية عن طريقته في التفكير وأسلوبه في العمل، ولا أجد أي مبالغة في إعتباره من مجددي الإسلام في هذا القرن، وهو لا شك واحد من عباقرة الإسلام على مر القرون .. لقد أحسن فهم التحدي الذي يواجه الأمة، ثم توصل إلى الإستجابة الملائمة لمواجهته، وتمكن من القيام بالمهام الأساسية المطلوبة لوضع هذه الإستجابة موضع التنفيذ، لكن ما يبدو لي هو أن قيادة الإخوان في العقد الأخير لم تفهم التحدي بنفس العمق، لذلك لم تكن جهودها في الإتجاه المناسب لمواجهته.
التحدي الذي كان يواجه الأمة – وما زال هو نفسه للأسف – هو أن الإسلام قد انكمش إلى مشاعر وجدانية عند الغالبية الساحقة من أبنائها، وينحصر تجلي هذه المشاعر في جانب من العلاقات الفردية وفي ممارسة بعض المناسك التعبدية، لكن الإسلام كموقف من الوجود ومنهج للحياة قد توارى في الظل في جوانب عديدة، وعلى الأخص في تلك الحاكمة لمسيرة التقدم، التنظيم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وتصدر للقيادة في كل الدول الإسلامية نخب تتكون من رجال يؤمنون أن النهضة والتقدم لن تتم إلا بالسير على نهج الغرب وإقتفاء خطاه، بعضهم يرفض الإسلام، وبعضهم يجهله، وهؤلاء الذين ما زالوا يمارسونه في حياتهم الشخصية تفصح ممارساتهم العامة عن أنهم قد فقدوا ثقتهم فيه كمنهج للنهوض، وحتى القلائل الذين يعدون استثناءا من هذا كله، كالدكتور عبد الرزاق السنهوري، الذي ما زلنا حتى الآن نستشهد بمقاطع من رسالته للدكتوراه للتدليل على فاعلية الحل الإسلامي في واقعنا المعاصر وقدرته على بناء نظام سياسي وتشريعي رشيد، لم يكن لوجوده ضمن عناصر النخبة تأثير يذكر، فوصوله رحمه الله إلى قمة الهرم في مجلس الدولة لم يغير شيئا في البنية التشريعية العالمانية التي قام عليها نظامنا القانوني.
لقد أدرك البنا أن البيئة الداخلية لجماعته يجب أن تكون ملائمة لأي مسلم يريد أن يبذل أي قدر من الجهد باتجاه تحقيق هدف تمكين المرجعية الإسلامية من القيادة الفكرية والثقافية للأمة، لذلك أعلن أن كل عضو في الجماعة يمكنه أن يختار أي واحد من المذاهب الأربعة المتبوعة، ولم يخض أبدا في الخلافات الفقهية بين هذه المذاهب (كما فعل ابن تيمية مثلا)، وفي مجال العقائد اكتفى بالحد الأدنى الذي يمكنه أن يجمع كل المسلمين، فيمكنك أن تكون أشعريا أو حنبليا (سلفيا) أو حتى معتزليا، دون أن تشعر بأي غربة وسط الإخوان، وعندما أراد أن يكون للإخوان وردا يتلونه في وقت معين يستحضرون عند تلاوته أن كل إخوانهم يتلون نفس الورد في نفس الوقت لم يحاول أن يضع صيغا خاصة بالإخوان، وقد كانت بلاغته وعلمه يمكنانه من القيام بذلك لو أراد، لكنه اكتفى بانتخاب بعض الأدعية والأذكار من الآيات والأحاديث الصحيحة .. كل المسلمين – تقريبا – يمكنهم أن يصبحوا من الإخوان إذا أرادوا العمل معهم لوجه الله تعالى، أو هكذا أراد البنا لجماعته أن تكون.
يمكننا أن نقرر بكل ثقة أن الإمام رحمه الله كان يستبعد، عن وعي، كل فكرة أو نشاط لا تساهم في التقدم نحو الهدف، وكان العمل السياسي أحد الجوانب التي تجنب البنا الخوض فيها.
قد يثير هذا الكلام سؤالان (إعتراضان) مشروعان تماما:
الأول: كيف يجوز الزعم بأن البنا قد تجنب الخوض في العمل السياسي مع أن كتاباته (وغالبا خطبه ودروسه) تمتلئ بعرض ومناقشة العديد من القضايا السياسية؟
الثاني: كيف يمكن تصور تحقيق الهدف الأعلى الذي دافع عنه البنا، وهو إعادة صياغة النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، دون ممارسة العمل السياسي؟
السؤالان كما قلنا مشروعان، والرد عليهما يحتاج إلى مقالات أخرى.
مقالات سابقة مرتبطة بالموضوع: