6- لماذا لم يجدوا بديلا؟ .. أزمة الديموقراطية الليبرالية الأمريكية

منذ 1 شهور | 1211 مشاهدات

السؤال الذي يشغل فلاسفة وعلماء السياسة الأمريكيين هو: لماذا تبدو النخبة السياسية التقليدية عاجزة عن إفراز "بديل عقلاني وموضوعي" قادر على إقناع الشارع وهزيمة خطاب ترامب الشعبوي؟  .. إن تراجع الإمبراطورية، وحالة السخط التي يثيرها هذا التراجع، لا تكفي وحدها لتفسير وصول ترامب للرئاسة، فما زالت أمريكا، رغم التراجع، هي الأقوى، وما زالت تملك من المقدرات ما يمكنها، إذا إستخدت بحكمة، أن توقف هذا التراجع وأن تخفف الضغوط التي تعاني منها الطبقتين الوسطى والعاملة، فكيف فشلت المؤسسة التقليدية، بما تملك من كوادر تتمتع بالخبرة، ومراكز أبحاث متقدمة، وعقول ذكية، في تقديم مرشح عقلاني وإمدادة بالحلول الناجعة والأدلة التي تفضح تلك الدعاوى السطحية البراقة والتشخيصات المغلوطة التي إعتمد عليها ترامب في كسب قلوب، وليس عقول، أنصاره؟

الرأي الغالب هو أن هذا الفشل يعود لأزمة عميقة يمر بها النموذج الديموقراطي الليبرالي الأمريكي .. لنعرض أولا أهم عناصر هذه الأزمة كما يشرحها هؤلاء المفكرون، لنقدم في النهاية ما نعتبره العنصر الأعمق أثرا، والذي، لسبب ما، لا يعرضونه بجلاء، رغم أنه يبدو متضمنا في تحليلاتهم.

معضلة صعوبة الحل الموضوعي (أزمة الدواء المر): الخبراء ومراكز الأبحاث يعرفون الحلول الموضوعية للأزمة الهيكلية الأمريكية (تراجع الهيمنة الإمبراطورية، تحدي المنافسة الصينية، أزمة الدين العام، تفكك الطبقة الوسطى .. إلخ)، وهي مشاكل معقدة تستلزم حلولا صعبة يستغرق تنفيذها زمنا طويلا وتتطلب بعض التضحيات، بينما النظام الأمريكي محكوم بدورات إنتخابية قصيرة (4 سنوات)، هذه المدة القصيرة تعاقب المرشح الذي يطرح حلولا معقدة طويلة المدى، وتكافئ المرشح الذي يقدم وعودا براقة سريعة المفعول، فإذا جاء مرشح يقول للناخبين: لكي ننافس الصين ونستعيد مكانتنا فعلينا أن نرفع الضرائب لنستثمر في التعليم والبحوث التكنولوجية وأن نعيد هيكلة الدين العام ثم ننتظر 15 عاما حتى تظهر النتائج فإنه ينهزم بسهولة أمام خطاب شعبوي يبسط الأزمة ويقول: السبب هم المهاجرون والصين، وسأحل المشكلة فورا بفرض بعض الجمارك وتعديل بعض قوانين الهجرة والجنسية.

تغير بيئة الإعلام وتحكم الخوارزميات: كانت المؤسسات الإعلامية التقليدية قادرة في العقود الماضية على إستبعاد الخطابات السطحية والمتطرفة لصالح النقاش العقلاني الموضوعي (هناك بالطبع الجانب الآخر: كانت قادرة على إستبعاد الخطاب الذي لا يرضي الشركات التي تسيطر على وسائل الإعلام مهما كانت عقلانيته وموضوعيته)، ولكن مع ثورة شبكات الإتصالات أصبحت الخوارزميات تكافئ منشورات الإثارة والغضب والتبسيط وتعمل عل نشرها، بينما تهمش منشورات التحليل العقلاني الهادئ الطويل، فخطاب المرشح الموضوعي الذي يتحدث بلغة الأرقام ويشرح الإستراتيجيات طويلة المدى ويقارن بينها لا يحصل على الإنتشار مقارنة بحديث المرشح الذي يهاجم خصومة ويسخر منهم ويستخدم لغة فجة (وأحيانا بذيئة) ويفتعل شجارات يومية.

فقدان النخبة للمصداقية: إرتبطت رموز النخبة التقليدية في ذهن المواطنين بالحروب الفاشلة والأزمات المالية (مثل أزمة 2008) وتجاهل معاناة المواطن البسيط، المثال الأبرز هو أن رؤساء من الحزبين إتخذوا عددا من القرارات أدت إلى تفكيك نظم الضمان الأجتماعي والتأمين الصحي التي تأسست في عهد الرئيس روزفلت في أعقلب الركود العظيم في ثلاثينيات القرن العشرين، لذلك فإن المرشح الذي يأتي بمذاق النخبة التقليدية ويتحدث بلغتها ومنطقها، مهما إتسمت أطروحاته بالعمق والموضوعية، ستشعر الجماهير أنه جزء من المشكلة، ولن تأمل في أن تجد عنده الحل.

أزمة الهوية والوجود: الإحساس بتراجع الإمبراطورية خلق شعورا بأزمة وجودية، فبينما يدور الحديث الموضوعي حول الخطوات العملية لحل المشكلات (نسب الضرائب، سياسة التعليم، نظام التأمين الصحي) ينقل الشعبويون القضية إلى مشكلة الهوية والوجود (إنهم يريدون تدمير أسلوب حياتكم وتغيير قيمكم) .. وعندما تشعر القاعدة الإنتخابية بهذا النوع من الخطر فإنها لا تبحث عن خبير إقتصادي أو عن سياسي محنك، بل تفكر في مقاتل مستعد لمنازلة الخصوم وعدم الإلتزام بالقواعد .. هنا يصبح الإفتقار للخبرة السياسية أو الوقاحة السلوكية ميزة في نظر الناخب الساخط وليست عيبا، فهي دليل على أن المرشح ليس من النخبة المهذبة التي خذلتهم.

هذا أهم ما نجده عند علماء السياسة الأمريكيين، الذين هم في الواقع جزء من الطبقة السياسية التقليدية، لذلك لا يشيرون إلى أن أخطر الأزمات هي نتائج منطقية للفلسفة النيوليبرالية التي تقود النظام، والتي قضت بتسليم مقدرات المجتمع الإقتصادية إلى الشركات التي لا تسعى إلا لتعظيم أرباحها، فتنقل مصانعها ووظائفها إلى دول العالم الثالث منخفضة التكاليف، وترفض إعادتها حتى لا تضحي بالأرباح، ونفس الفلسفة هي التي تعفي الحكومة من وظائفها الإجتماعية، تأسيسا على أن توسع الشركات سيقود إلى الرفاهية، وأن تقديم الخدمات الإجتماعية (التعليم والصحة وإعانات البطالة .. إلخ) يتطلب زيادة الضرائب التي ستستقطع من أرباح الشركات وتعرقل توسعها، وأن الحروب تدفع إليها مصالح الشركات .. وهكذا (راجع مقال: " .. تراجع الإمبراطورية ..")  

لكن مجموعة السياسيين الجدد (ليسو كلهم جدد) التي تتحرك تحت لافتة "الديموقراطيين الإشتراكيين" تلفت نظرنا إلى أن جذور الأزمة تكمن في فلسفة النظام نفسه والتي سمحت بأن يكون للنخبة الإقتصادية ومالها السياسي الأثر الأكبر على نوعية السياسيين الذين يتصدرون المشهد ,, لقد نجح الإشتراكيون الديموقراطيون رغم تمويلهم الضئيل في مواجهة خصوم حصلوا على تمويل ضخم من جماعات الضغط، وذلك بفضل برامجهم التي ركزت على الدور الإجتماعي للدولة في تحد واضح للفكر السياسي السائد .. هل هذا إرهاص بتغييرات جذرية؟ وهل ستطال هذه التغيرات السياسة الخارجية؟ (كل الديموقراطيين الإشتراكيين من معارضي دعم إسرائيل) أم ستتمكن النخبة الإقتصادية (الشركات وجماعات الضغط التابعة لهم) من إحتوائهم والإحتفاظ بالمسار الحالي رغم قصوره الواضح؟ .. هذه أسئلة مهمة نكتفي بطرحها، والله غالب على أمره.

شارك المقال