5- ما معنى "شعبوي"؟ .. ترامب في مواجهة الساسة الأمريكيين

منذ 1 شهور | 950 مشاهدات

الجماهير المحبطة التي فقدت الثقة في قادتها السياسيين تميل للسير خلف قائد "شعبوي" .. لكن ما الذي يميز "الشعبوي" عن "السياسي"؟ .. هل لأنه يتملق الشعب؟ .. ألا يتملق كل السياسيين شعوبهم؟ .. أم لأنه يزعم أنه يستلهم رغبات الشعب ويريد تحقيق تطلعاته؟ .. ألا يزعم كل السياسيين، صدقا او كذبا، أنهم يستلهمون رغبات شعوبهم ويريدون تحقيق تطلعاتهم؟ .. ما المقصود إذن من أن الجماهير تعزف عن السياسيين وتسير خلف الشعبوي؟  .. تخبرنا أدبيات العلوم السياسية أن هذه تعبيرات إصطلاحية يميزون بها بين نوعين من القادة، ويمكننا إيجاز الفروق في ثلاث نقاط (سيجد القارئ خصائص الشعبوية في نمط القيادة الكاريزمية لجمال عبد الناصر):

بدلا من المنافسة السياسية يخوض الشعبوي معركة أخلاقية: يحاول السياسي إقناع الناخبين أن برنامجه هو الخطة الأنسب لحل مشكلات المجتمع، مع إقراره بأن منافسيه هم سياسيون ينظرون للمشاكل بطريقة مختلفة تفتقر للفهم السليم أو لا يملكون الكفاءة اللازمة لحلها، أما الشعبوي فيتعامل مع المنافسة السياسية على أنها معركة أخلاقية بين طرفين: الشعب المظلوم في جهة، وفي الجهة الأخرى النخبة السياسية الحاكمة الفاسدة التي تسرق إرادة الشعب ولا تخدم ألا مصالحها الخفية، فعندما يهاجم ترامب النخبة التقليدية فإنه لا يكتفي بنقد أطروحاتها الإقتصادية أو سياستها الخارجية، بل يجردها من الشرعية الأخلاقية ويصفها بأنها كيان فاسد يعادي المواطن ولا يكترث بمصالحه.

يرى نفسه الممثل الحصري "للشعب الحقيقي": يقدم السياسي نفسه بإعتباره ممثلا لبعض الشرائح المجتمعية، دون أن ينفي وجود شرائح مجتمعية أخرى لها رؤية مختلفة يمثلها سياسيون آخرون، ولا يستبعد إمكانية الوصول لحلول توافقية ترضي غالبية المجتمع، أما الشعبوي فلا يرى خصومه كمنافسين سياسيين بل كأعداء "للشعب الحقيقي"، فالشعب عنده ليس مجموع المواطنيين الذين يمكن أن تختلف توجهاتهم، بل يعرفه بطريقة مختلفة تجعله كتلة واحدة متجانسة، ويستبعد من لا ينطبق عليه التعريف من أن يكون من الشعب، فالشعب في نظره هو أصحاب الجذور الأصليين، أو الطبقة العاملة المقهورة، أو تحالف قوى الشعب العامل، أو الأغلبية المسحوقة المحرومة من التمثيل .. إلخ، ومن يرفض تعريفه للشعب، سواء لأنه من الأقليات العرقية أو الثقافية، أو من المثقفين أو الإعلاميين أو القضاة .. إلخ. فإنه يصفه بأنه ليس من الشعب الحقيقي .. يتجلى هذا في مقولة دونالد ترامب "أنا صوتكم I am your voice"، حيث يقدم الرئيس نفسه ليس كحاكم يمارس سلطة يحددها القانون، ولكن ككيان تتدفق عبره إرادة الشعب، ومن يختلف معه فهو يختلف مع الشعب.

النزعة لتجاوز المؤسسات الوسيطة والصدام معها: تقوم الديموقراطية على وجود عدد من المؤسسات التي تعبر عن الإرادة الشعبية تتوزع بينها السلطات تقوم بالرقابة المتبادلة ويعتمد إستقرار النظام على التوازن بينها، البرلمان، والقضاء، والأجهزة البيروقراطية، والصحافة المستقلة، ويعتمد نجاح النظام وفاعليته على التكامل والتنسيق بينها، أما الشعبوية فتنظر إلى هذه المؤسسات والقواعد الدستورية التي تنظم عملها على أنها عوائق وضعتها النخبة الحاكمة لتكبل إرادة الشعب (التي يعبر عنها الزعيم)، لذلك يشكك الشعبوي في صدق الصحافة، ويشكو من جمود النظام القضائي وعدم فاعليته، ولا يرى مبررا لوجود الأحزاب والتنظيمات الجماهيرية، ويفضل التواصل المباشر مع الجماهير من خلال المؤتمرات أو وسائل التواصل الإجتماعي.

يستند نمو الإتجاهات الشعبوية إلى وجود مظالم حقيقية تعاني منها شرائح واسعة، وإلى شعور الكثيرين بأن أساليب السياسيين التقليديين لم تعد تصلح لمواجهة المشكلات، لكن الأسلوب الشعبوي يحمل مخاطر عالية على المدى الطويل، حتى لو نجح في البداية في تحقيق بعض الإنجازات، فهو يضرب مبادئ الديموقراطية وسلطة الشعب، ويعمل على إضعاف حكم القانون ويحاول التحلل من الضوابط الدستورية، على أساس أن المؤسسات القضائية والرقابية هي اجهزة قد صممت في الأصل لعرقلة تحقيق الرغبات الحقيقية للشعب، كما يعمل الشعبوي على إستقطاب المجتمع بشكل حاد عندما يحول المنافسة السياسية إلى صراع وجودي بين الخير والشر، ثم إنه يعمل على تبسيط المشكلات ويقدم حلولا سطحية تخاطب الرجل العادي، ويميل إلى إلقاء اللوم على أي جهة أخرى (المهاجرين، الصين، الدولة العميقة، أخطاء الرؤساء السابقين، الإستعمار والرجعية) .. قد يكون الأسلوب الشعبوي مقبولا في أعقاب ثورة شعبية خلال الفترة الإنتقالية ريثما يتم بناء النظام الجديد (بل ربما يكون ضروريا)، لكنه لا يصلح كطريقة لتنظيم حياة سياسية مستقرة، والتاريخ الحديث يعلمنا أن القادة الشعبويون مهما حملوا من الإخلاص لأوطانهم إنتهت تجاربهم كلها نهايات مأساوية (لا نستثني تجربة ماو تسي تونج، لولا أن خلفائه تمكنوا من ترميم التجربة وتعديل مسارها).

إن وصول رجل شعبوي لرئاسة أمريكا يعد حالة فريدة في العصر الحديث، فكل الشعبويين الذين نعرفهم أمسكوا بزمام الأمور في وضع ساده السخط العام والإضطراب الداخلي وتآكل سلطة الدولة وفقدان قدرتها على ضبط الأمور، الوضع في أمريكا مختلف، فرغم حالة الإحباط لدى شرائح مؤثرة من الطبقة الوسطى فإن النظام نفسه ما زال متماسكا، وما زالت الطبقة السياسية تتمتع بالقبول لدى نصف المواطنين، فكيف عجزت هذه الطبقة عن إفراز منافس يملك برنامجا موضوعيا جادا لحل المشكلات ثم تدعمه في مواجهة خطاب ترامب السطحي والبعيد عن الواقعية.. المقال القادم بإذن الله.

 

ملاحظة: قد يخرج القارئ بإنطباع يخلط بين الزعيم الشعبوي والديكتاتور، هذا ليس صحيحا، يملك الشعبوي نزعة للديكتاتورية، لكن ليس بالضرورة أن يتمكن عندما يصل إلى السلطة من الإنفراد بها، كما أن الممارسة الديكتاتورية لا تكون دائما من خلال أساليب شعبوية، فستالين إستند إلى سلطة الحزب الواحد ورؤيتة الماركسية لقوانين حركة المجتمع، وصدام حسين إعتمد على القمع الأمني، وبينوشييه على الجيش.   

شارك المقال