7- نورماندي تو .. الحصار الذي لن يشارك فيه أحد

منذ 2 اسابيع | 1547 مشاهدات

عندما شبه وزير الخزانة الأمريكي ذلك الحصار بإنزال "نورماندي" (وهو الإنزال الأضخم الذي قام به الحلفاء على الساحل الفرنسي بمنطقة "نورمادي" وكان بداية إندحار ألمانيا في الحرب العالمية الثانية) تذكرت الريس حنفي في فيلم إبن حميدو عندما تصور أن فلوكته المهترئة ستتحول إلى بارجة نفاثة لأنه أسماها نورماندي .. ما هذا الهراء؟ وما الذي تتوقعه أمريكا من هذه الإجراءات؟ .. كيف صارت تفكر أمريكا؟

لنستعرض أولا الحجج التي يسوقها هؤلاء الذين يصرون على أن يجدوا شيئا من العقلانية في القرارات الترامبية، قبل أن نراجع ما يقوله الخبراء الفاهمون، والذي خلاصته أن هذا الإعلان سينقلب بسرعة على أصحابه، وستكون خسائره أكبر من أي أرباح محتملة.

يقولون أن هذا الحصار الذي يعاقب الدول والكيانات التي تتعامل مع إيران بمنعها من إجراء أية تحويلات دولارية سيخلق أزمة داخلية تجبر القيادة الإيرانية على تقديم تنازلات سريعة فيعلنها ترامب كنصر سياسي يرمم به تراجع شعبيته قبل الإنتخابات النصفية .. واشنطن تعلم بالطبع أن الصين وروسيا لن تلتزما بالحصار، لكنها تراهن على أن الشركات الخاصة والبنوك (حتى الصينية) ستتردد في المخاطرة بمجمل أعمالها في السوق الأمريكي وبالتعاملات المالية الدولارية مع العالم (التي تتحكم فيها أمريكا من خلال نظام سويفت) من أجل أرباح الشحنات الذاهبة والقادمة من إيران.

ويضيف الذين يخجلون من ترديد كلام فارغ أنه ليس بالضرورة أن يكون هدف هذا الإعلان هو منع إيران من التبادل التجاري مع العالم، فله على الأرجح هدف إعلامي موجه للقاعدة الإنتخابية لترامب التي بدأت في الإنصراف عنه، فالتصريحات الحازمة والعقوبات الشاملة سيقرأونها كدليل قوة وسيطرة على مجريات الأمور، ويضيف آخرون أنه سيسبب إرتباكا في السوق الإيرانية عندما يسعى الناس لحيازة الدولار فيزداد الطلب عليه وتنخفض قيمة العملة الإيرانية (الحقيقة أن هذا حدث فعلا، لكن القيمة عادت لسابق عهدها بعد يومين).

ماذا يهدفون أيضا من هذا الإعلان؟ .. حسنا، لم نسمع شيئا آخر.

أما الخبراء الفاهمون فيرون أن هذا إعلان مثير للدهشة وربما للسخرية .. قد يرفع الروح المعنوية لأنصار ترامب لأسبوعين أو ثلاثة، ثم تتضح الحقيقة ويعود السخط أكثر مما كان .. فواضعوا هذه الخطة يعيشون في عالم إفتراضي يتجاهل الواقع الموضوعي.

يمكن إيجاز أهم الحقائق، وليس كلها، التي تتجاهلها الخطة الأمريكية في النقاط التالية:

  • الإجراءات التي تملكها أمريكا قد تؤثر على بعض شركاء إيران التجاريين، لكن الشركاء الأهم والأكبر أثرا سيرفضون المشاركة (سنعرض لهذه النقطة بتفصيل أكبر فيما بعد)، وقد طورت إيران خلال عقود الحصار السابقة قنوات يصعب السيطرة عليها، خاصة وأنها تملك حدودا برية طويلة مع دول لها مصلحة في إستمرار التبادل مع إيران، كما أن إيران تنتج أكثر من 90% من إحتياجات سكانها المعيشية، فالداخل الإيراني لن يتأثر بالدرجة ولا بالسرعة التي تتطلبها الخطة الأمريكية، بالإضافة إلى أن مخزونها الإستراتيجي يكفيها لأكثر من ستة أشهر.
  • أن الوقت في صالح إيران طالما إستمرت سيطرتها على المضيق بما يمثله من ضغط كبير على إقتصادات العالم وضمنها الإقتصاد الأمريكي (راجع مقال: "كيف ستنتصر إيران") وقد أثبتت التقارير الدولية الموثوقة كذب الإدعاءات الأمريكية بشأن فتح المضيق، فالحمولات التي تعبره الآن لا تتجاوز 10% من معدلاتها قبل الحرب، ولا صحة لما تدعيه الإدارة الأمريكية من أن هذه التقارير لا ترصد السفن التي تمر تحت الحماية الأمريكية لأنها تغلق إشارات التتبع، فالتقارير لا تقتصر على رصد السفن أثناء عبورها للمضيق بقدر ما تعتمد على رصد وصولها لموانئ الوصول، بالإضافة إلى أن التقارير تؤكد إستمرار تراجع مخزون النفط في الدول الصناعية، بما في ذلك المخزون الأمريكي، مما يؤكد إستمرار نقص الإمدادات.
  • تتجاهل الخطة تماما السقف الزمني الذي تراهن عليه إيران، إنتخابات التجديد النصفي للكونجرس منتصف نوفمبر، فإذا أثبتت إيران فشل الحصار الإقتصادي في تركيعها كما أثبتت من قبل فشل المواجهة العسكرية، وإستمر نقص إمدادات النفط وتصاعد أسعاره بما يستتبعه من إستمرار الزيادة المطردة في أسعار كل السلع (إتفاقية النفط الفنزويلي التي طنطن بها ترامب لن تساهم في سد العجز في المدى المنظور لأسباب فنية لا يتسع المجال لشرحها)، فإن الناخب الأمريكي سيعاقب الحزب الجمهوري ويأتي بأغلبية ديموقراطية تغير من هيكل السلطة في أمريكا، فتبدأ اللجان في التحقيق الجدي حول جدوى الحصار مقارنة بتكلفته الإقتصادية على الأمريكيين، وستزداد الضغوط التشريعية لتقييد الصلاحيات العسكرية للرئيس، ومنها رفض تمويل عمليات الإنتشار البحري، هذا إذا لم تبدأ، وبسرعة، إجراءات عزل ترامب لعدد كبير من الأسباب لعل القارئ يتابعها في وسائل الإعلام، أشهرها المخالفات المالية وعمليات التربح التي قام بها ترامب وأسرته ومعاونيه .. سيعمل كل هذا على إنهاء مغامرة ترامب المدفوعة إسرائيليا في الشرق الأوسط والتي لا تخدم أي مصلحة أمريكية.
  • تدرك الصين وروسيا أن نجاح الحصار يعزز مفهوم الأحادية القطبية وإمكانية إستخدام الإقتصاد العالمي كسلاح أمريكي، فلهما مصلحة واضحة في دعم صمود إيران، لذلك ستعتمدان إستراتيجية إفشال الحصار بكل الوسائل مع تجنب المواجهة الشاملة سياسيا وعسكريا.

ستركز الصين على إمتصاص الحصار وإبقاء شرايين أستيراد النفط الإيراني مفتوحة من خلال أسطول الظل وخطوط النقل البرية (تكلفتها أعلى لكن إيران ستتحملها)، والإستمرار في بناء شبكات التبادل باليوان الصيني خارج نظام سويفت، المثال الأبرز حاليا هو تلك المصافي الصينية التي تعمل بالكامل بعيدا عن الدولار، فهي تدفع لإيران، ولروسيا، باليوان الذي يستخدمانه لشراء إحتياجاتهما من الصين، كما أنها تبيع كل إنتاجها في السوق المحلي الصيني، لا تستطيع أمريكا ممارسة أي ضغط على هذه المصافي، ولا على مشتريات إيران من الصين، وستعمل الصين على توسيع هذا النمط، ولديها بالفعل عدد من البنوك التي تخصصت في التعامل بالعملات المحلية بعيدا عن نظام سويفت .. الصين تريد إستمرار الوضع الحالي للمضيق ويمكنها تحمله في سبيل تعميق التضخم في الداخل الأمريكي مع توسيع نطاق التعامل الدولي باليوان خصما من حصة الدولار في التجارة العالمية.

أما روسيا فلها مصلحة في إستنزاف أمريكا في الخليج وإبقائها غارقة في صراعات الشرق الأوسط، فهذا يشتت التركيز الأمريكي في الملفات الأخرى، خاصة أوكرانيا، ويكرس بحر قزوين كبحيرة مغلقة خارج السيطرة الغربية، بالإضافة لمصلحة روسيا في إستمرار التبادل التجاري مع إيران بشروطه الميسرة بسبب الحصار.

* * * * *

بإختصار: ما تقوم به أمريكا سيضيف بعض الضغط على الإقتصاد الإيراني المضغوط فعلا، لكنه سيظل داخل حدود قدرتها على التحمل، لكنه سيقدم أقوى مبرر لإستمرار إغلاق المضيق الذي يثير سخط الجميع على ترامب، كما أنه يكرس التعامل بالعملات المحلية خارج النظام الدولاري، ليس بالنسبة لإيران وحسب، ولكن بالنسبة لكل الدول التي بدأت تتحسب من إستخدام أمريكا لنظام سويفت كأداة ضغط، الأمر الذي سيضعف الطلب العالمي على الدولار ويفاقم من أزمة الديون الأمريكية، وهي نقطة لا يدركها إلا المتخصصون، وربما تحتاج لمقالات مستقلة، لكنها تمثل خطورة حقيقة على الإقتصاد الأمريكي .. وفي جميع الحالات فإن الإنتخابات تقترب وأحوال ترامب تزداد سوءا، ولا يوجد خبير محايد يرى أن هذا الحصار ستكون له أي ثمار تساعد ترامب، والله غالب على أمره.

شارك المقال