4- عوامل صعود ترامب .. تراجع الإمبراطورية وأزمة الديموقراطية

منذ 1 شهور | 1763 مشاهدات

لولا أزمة النظام الديموقراطي الأمريكي الناتجة عن تراجع قوتها الإقتصادية ما كان دونالد ترامب ليصبح رئيسا .. هذه هي النتيجة التي وصل إليها معظم المحللين وعلماء السياسة .. ظاهرة دونالد ترامب ليست صدفة أو حدث طارئ، بل هي رد فعل وعرض لأزمة أعمق تعيشها أمريكا.

كي نفهم المقصود من العبارة السابقة ينبغي أن ندرك طبيعة ومظاهر تراجع القوة الأمريكية، ولماذا أدى هذا التراجع إلى فقدان الجماهير للثقة في نخبتها السياسية التقليدية، وكيف يسمح هذا الوضع بصعود قادة من نوعية دونالد ترامب.

قامت المنظومة السياسية الإقتصادية الإجتماعية الأمريكية على فلسفة تعطي الأولوية لمصالح قطاع الأعمال (الشركات الكبرى أساسا)، بإعتبار أن هذا القطاع هو الذي يقوم بإنتاج السلع والخدمات ويخلق الوظائف و يدفع الأجور فيعمل على رفع مستوى معيشة كل أفراد الشعب، بناء عليه ينبغي على الحكومة أن تهتم بما يخدم توسع نشاط الشركات (لعلك تذكر أفكار مجموعة جمال مبارك)، ففي السياسة الخارجية مثلا عليها أن تمارس الضغوط على الدول الأخرى لتضمن حصول الشركات على المواد الخام والطاقة بأرخص الأسعار، ولتمكنها من إحتكار الأسواق لتصرف إنتاجها الذي تعود إيرادته بالنفع على كل الأمريكيين، وفي السياسة الداخلية ينبغي أن تكون الضرائب في حدها الأدنى كي تتمكن الشركات من إعادة إستثمار أرباحها وتوسيع نشاطها، وإذا كانت الضرائب المنخفضة ستحد من قدرة الجكومة على تقديم خدمات عامة جيدة ورخيصة (خاصة في الصحة والتعليم) فهذا في الواقع في صالح الشعب على المدى الطويل، لأن توسع الشركات سيعمل على رفع مستوى الدخول لكل الناس بحيث لا يعودوا في حاجة لأن تدعم الحكومة إحتياجاتهم الأساسية .. وهكذا.

من الطبيعي في ظل هذه الفلسفة أن يسمح النظام للشركات بدعم السياسيين الذين يتفهمون إحتياجاتها، المهم، هكذا زعموا، أن توجد الضمانات التي تكفل عدم قيام الشركات برشوة سياسيين فاسدين ليساعدوها على خرق القوانين .. لعلك لاحظت أن هذه الأطروحة تتجاهل أن أنصار الشركات سيقومون منذ البداية بسن القوانين بحيث تخدم مصالح الشركات .. خلال عقود صعود الإقتصاد الأمريكي وتوسعه على حساب نهب ثروات الشعوب كانت حصة معقولة من الأرباح الضخمة تنساب إلى الطبقة الوسطى لتوفر لها أعلى مستوى للمعيشة في العالم، كما قدمت الشركات وظائف جيدة برواتب مرضية لأبناء الطبقة العاملة .. بدا أن المنظومة الأمريكية تعمل فعلا لصالح كل الأمريكيين (تقريبا)، أما الأصوات القليلة التي إرتفعت أحيانا مطالبة بالعدالة الإجتماعية ومنددة بتركز الثروة فقد بدت نشازا في أذن الأمريكي العادي الذي كان يعيش حياة سهلة ومريحة (حتى ساد في الخطاب الشعبي الأمريكي الخلط بين العدالة الإجتماعية والشيوعية).

بعد إنهيار الإتحاد السوفياتي وإنفراد أمريكا بالقيادة بدأت في بناء ما سمي "النظام العالمي الجديد" تحت شعارات "العولمة": القرية الكوكبية الواحدة، الخصخصة وبيع القطاع العام، حرية التجارة، فتح الأسواق، إزالة العوائق أمام دخول وخروج رؤوس الأموال .. إلخ (هذه المبادئ تهدف لسيطرة الشركات العملاقة متعددة الجنسيات على إقتصاد الكوكب .. ستجد عرضا موجزا لجوانب العولمة المختلفة وأساليب الدعاية لها وأدواتها في تحقيق الهيمنة الغربية في الفصل السابع "فخ العولمة" من كتابنا "بؤس الحل الليبرالي")، وفي هذا السياق قامت كبرى الشركات الأمريكية (العولمية) بنقل مصانعها إلى دول العالم الثالث، حيث تنخفض تكلفة عناصر الإنتاج، وأهمها الأيدي العاملة، بهدف زيادة الأرباح، ومع إنتقال المصانع إنتقلت الوظائف، فتراجعت الطبقتين العاملة والوسطى وفقدت نسبة كبيرة من دخولها، خاصة في الولايات التي تعرف ب"حزام الصدأ"، حيث أغلقت المصانع أبوابها وتحولت الماكينات إلى هياكل من الحديد الخردة، فإختفت أغلب الوظائف، وإنخفضت أجور ما تبقي منها.

بعض الدول التي كانت متخلفة في بداية العولمة (خاصة الصين) إمتلكت قيادات سياسية قوية ومخلصة تمكنت من حماية نفسها من الإختراق الأمريكي، فإستطاعت أن تتبنى سياسات تشترط أن تستفيد الدول المضيفة من الصناعات الوافدة (ستجد بعض التفاصيل عن هذه السياسات في الفصل السابع من "بؤس الحل الليبرالي")، أهمها نقل التكنولوجيا وإعادة إستثمار نسبة من الأرباح داخل الوطن، ومع أن هذه السياسات تتعارض مع مفاهيم العولمة وشروط منظمة "الجات" فقد قبلتها الشركات العولمية لأنها ظلت معها تحقق أرباحا عالية، وأمكن للصين أن تحقق أعلى معدلات للنمو، وأن تنتقل من مجرد مضيف لخطوط الإنتاج إلى مطور للتكنولوجيا، وتقدمت في بعض المجالات على مراكز البحوث والتطوير الأمريكية .. زاد هذا من إستفزاز الطبقة الوسطى الأمريكية وشعورها بالإحباط.

عشرات الملايين من الأمريكيين شعروا بتراجع مستوى معيشتهم وتدهور البنى التحتية لمدنهم وإفتقارهم لخدمات صحية جيدة وإضطرار أبنائهم لتحمل تكاليف باهظة للتعليم، في الوقت الذي تنفق فيه حكوماتهم مليارات الدولارات في حروب لا يرون لها أي جدوى، وإتهموا طبقتهم السياسية بأنها ضحت بالعمال الأمريكيين لصالح بناء الصين .. إلخ .. ساد الشعور بأن أمريكا تتآكل وتخسر نفوذها أمام منافسيها بسبب عجز وفساد السياسيين التقليديين .. عندما تفشل الآليات التقليدية في تحقيق آمال الجماهير فإنها تفقد الثقة في النظام وتبحث عن شخصية "شعبوية" من خارج النخبة السياسية تكون قادرة (أو تدعي القدرة) على خرق القواعد وتغيير الواقع .. ليست هذه هي المرة الأولى التي يقوم فيها شعب يعتز بنفسه ويشعر بتدهور أوضاعه ويفقد الثقة في نخبته الحاكمة بتسليم القيادة لشخصية شعبوية، فعلها الألمان مع هتلر، والطليان مع موسوليني، والمصريون مع عبد الناصر .. ما هي الشخصية الشعبوية؟ وما هي خصائصها القيادية؟ وما الذي يجذب الجماهير المحبطة للإلتفاف حولها؟ ولماذا تفشل الطبقة السياسية التقليدية في إفراز منافس لهذا الشعبوي؟ .. المقال القادم بإذن الله.    

 

 

شارك المقال