منذ 1 اسابيع | 963 مشاهدات
يقف الوهابية والأزاهرة، اللذان يرى كل منهما نفسه كحامل لمذهب أهل السنة والجماعة، على طرفي نقيض في أغلب المسائل المتعلقة ببناء منظومة إسلامية معاصرة، بإستثناء مسألة الموقف من طغيان الحكام، تجد الأزهري الرسمي يتبنى ذات الموقف الوهابي، وإن كان يقدمه بصورة أكثر لطفا، لكنهما يتفقان في المحتوى: يزعمان أن مذهب أهل السنة والجماعة يحرم الخروج على الحاكم ما لم يظهر منه كفر بواح، وينظر كل منهما إلى معارضة الحاكم والضغط عليه لتغيير مواقفه بإعتبارها صنفا من أصناف الخروج المحرم .. الوهابيون أمناء على تراث محمد بن عبد الوهاب الذي وصل إلى أن أباح للأمير محمد بن سعود دماء وأموال كل من رفض الدخول في طاعته، أما الأزاهرة فإنهم، على العكس، يتنكبون تراث الأزهر الفكري والعملي، ولا نحتاج للدخول في مناقشات فكرية لنعرف مذهب الأزهر في التعامل مع مظالم الحكام، يكفينا لبيان كذب أو جهل هذا الخلف المعاصر أن نستعرض أهم حركات الخروج على الحكام التي قادها الأزهر، أكبر معقل للفكر السني الأشعري، قبل أن يتم تدجينه على يد محمد علي، الذي أقنعونا أنه باني مصر الحديثة، وهو في الحقيقة الذي أجهض محاولات مصر لبناء نهضتها الحديثة.
في الريع الأخير من القرن الثامن عشر، في الفترة التي توصف بأنها ذروة الإنحطاط السياسي في مصر، عندما ساد الظلم والفساد وفرض الضرائب الباهظة ونهب رجال السلطة لأموال الناس جهارا نهارا تحت حكم العسكر المملوكي، وبالتحديد سنة 1786م، في ظل حكم الثنائي مراد بك وإبراهيم بك، قام أحد المماليك من أتباع مراد بك بالإعتداء على أهالي حي الحسين ونهب بيوتهم، ففزع الناس إلى الجامع الأزهر وإستغاثوا بالعلماء، فما كان من الإمام الدردير إلا أن نهض وتصدر المشهد.
هو أحمد بن أحمد بن أبي حامد العدوي الشهير بالدردير (1715-1786م)، أحد أعظم فقهاء المالكية في عصره، لقب ب"مالك الصغير"، وكتابيه "الشرح الصغير" و"الخريدة البهية" لا يزالان يدرسان في الأزهر حتى اليوم، وكان يشغل منصب شيخ المالكية ومفتي الديار المصرية، كان إذن من أعمدة الأزهر الراسخين في العلم والأكثر دراية بفقه أهل السنة والجماعة من أغلب المعاصرين .. أمر الإمام الدردير بإغلاق أبواب الجامع الأزهر، وأمر المؤذنين بترك الأذان، وصعد فوق المنارة ينادي بالجهاد ضد المماليك، فاجتمع حوله الآلاف من عامة الشعب بأسلحتهم البسيطة، وأغلقوا الأسواق والحوانيت .. لقد أعلنوا الإضراب العام .. فأرسل المماليك رسلاً لمقابلة الإمام وتهدئة الوضع، لكن الدردير قابلهم برده الشهير: "نحن نخرج من هنا إلى بيوتهم (المماليك) فنهدمها، أو يخرجون هم من مصر بالكلية" .. هذا تهديد صريح بالخروج العنيف على السلطة وإسقاطها إذا لم تستجب لمطالب الجماهير .. وإنتهى الأمر بأن إضطر مراد بك وإبراهيم بك للخضوع لمطالب الإمام، وأرسلوا له الأموال المنهوبة ليردها لأصحابها، وتعهدوا برفع الضرائب الجائرة (وإن نكثوا بهذا العهد بعد أن هدأت الأوضاع) .. لا سمع ولا طاعة للحاكم الظالم، لقد قاد الأزهر إنتفاضة شعبية واسعة شملت إضرابا عاما وتهديدا بعزل الحكام بالقوة، فأين كان هذا المذهب المزعوم الذي يحرم معارضة الحكام والضغط عليهم لتغيير قراراتهم؟
وفي عام 1795م، بعد ثورة الدردير بتسع سنوات وقبل الحملة الفرنسية بثلاث سنوات، عاد إبراهيم بك ومراد بك إلى فرض ضرائب باهظة على القرى والبلدات، فعاد الأهالي للإستنجاد بالأزهر، فاجتمع الشيخ عبد الله الشرقاوي (شيخ الأزهر) والشيخ السادات (شيخ الطريقة الوفائية) وغيرهم من كبار العلماء، وصعدوا إلى المنبر وأعلنوا "العصيان" .. لم يقل مشايخ الأزهر أن مذهبنا يحرم الخروج على الحكام ويجب على العوام طاعة المماليك لأنهم أولي الأمر (كان مراد وإبراهيم نوابا للخليفة العثماني)، بل قادوا الجماهير في مظاهرات حاشدة، وأجبروا الحكام المماليك على توقيع وثيقة تاريخية (يسميها البعض "الماجنا كارتا المصرية") تتعهد فيها السلطة بـ:
لن نتوقف هنا عند الموقف البطولي للأزهر في مقاومة الحملة الفرنسية، فهو خارج موضوعنا، إذ من الواضح أن بونابرت وخليفتيه كانا حكاما كفارا لا يتمتعون بالحماية الشرعية المزعومة، ولننتقل للموقعة التالية، والتي قامت فيها المعارضة الأزهرية بعزل الحاكم.
في عام 1805،عندما اشتد ظلم خورشيد باشا، الوالي الذي أرسله الخليفة العثماني لحكم مصر بعد خروج الحملة الفرنسية، لم يكتفِ العلماء بنصيحة الحاكم وأمر المحكومين بالصبر، بل قاد السيد عمر مكرم (نقيب الأشراف) والعلماء الأزهريون "ثورة دستورية" كاملة الأركان، حيث اجتمع العلماء في المحكمة الكبرى وإتخذوا قرارا بعزل الوالي .. إحتج خورشيد باشا قائلاً: "أنا مأمور من السلطان فلا أعزل بأمر الرعية"، رد عليه العلماء بمنطق فقهي مستقيم: "إن السلطان لم يولِك لتظلم، وإن القاعدة الشرعية تقول: إن الرعية تعزل الحكام إذا ساروا بالظلم" .. أرأيت؟ هذه هي القاعدة الشرعية في مذهب أهل السنة والجماعة وفقا لمدرسة الأزهر .. الرعية من حقها عزل الحاكم الظالم وليس فقط معارضته والضغط عليه .. كيف إذن إنقلب الوضع خلال قرن واحد؟ أين ذهب الأزهر نصير الشعب ومقاوم الطغاة؟ .. كيف حدث هذا التحول؟ .. المقال القادم بإذن الله.