6- لغز صعود الأزهر .. كيف ولماذا تربع وحده على القمة

منذ 3 ايام | 847 مشاهدات

بحثت عن العوامل التي منحت أزهر العصر العثماني تلك المكانة العلمية الفريدة مع التأثير الشعبي الطاغي، وهو تأثير لم يقتصر على مصر بل تجاوزها إلى كل العالم الإسلامي، من جاكرتا إلى مراكش، لم يكن هذا البحث لمجرد الفضول المعرفي، وإنما لإستخلاص الدروس التي قد نتعلم منها كيف نبني كيانا علميا وأدبيا يرشد حركة الإحياء المعاصرة، لم أجد في الدراسات المتاحة تفسيرا كافيا، حتى نظرت للظاهرة من زاوية أخرى، وأرجو أن يكون ما وجدته مفيدا.

 لم يكن للجامع الأزهر في ذاته قيمة روحية تقترب ولو قليلا من قيمة الحرمين أو الأقصى، فما الذي جعله القبلة العلمية لكل المسلمين؟ قد تظن أن مكانته نبعت من كونه العش الذي آوى إليه عدد كبير من جهابذة علماء الأمة، الواقع أن العكس هو الصحيح، فمكانته هي التي إجتذبت إليه العلماء والطلاب من كل مكان، فكيف وصل لهذه المكانة؟

في الحرمين كان العلم يبث عبر العلماء المجاورين الذين جاءوا من كل مكان، لكنهم عملوا بشكل فردي، فلم تضمهم هيكلية علمية ولا وضع مؤسسي، وفي الوقت الذي تراجعت فيه كل المراكز العلمية الكبرى في بغداد وقرطبة وفاس أو القرويين وغيرهم، أمكن لعلماء الأزهر أن ينشئوا لأنفسهم كيانا مؤسسيا ونظاما تعليميا ذو هيكلية واضحة ومستقرة، فأصبح هو الجهة المرجعية للمذاهب الأربعة، ثم صار الأزهر يمنح الإجازات التي تعترف بها الدولة وكل المجتمعات الإسلامية كشهادة على الكفاءة العلمية والقانونية التي تؤهل حائزيها لشغل المناصب المختلفة، وهو ما جذب إليه الطلاب من كل أرجاء العالم الإسلامي .. مرة أخرى: لماذا علماء الأزهر دون غيرهم هم الذين تمكنوا من بناء هيكل للعملية التعليمية ووضعوه في إطار مؤسسي بينما إنهارت المراكز الأخرى؟ .. هل يمكننا القول أن الموارد المالية الضخمة التي وفرتها الأوقاف هي التي مكنتهم من ذلك؟ .. وفرة إيرادات الأوقاف لا تقدم تفسيرا كافيا، فقد كانت أوقاف الحرمين والأموال الأخرى التي تقدمها لهما السلطة (الصرة العثمانية) أكبر مما كان للأزهر، كما أن السلطان أنفق بسخاء على مشيخة الإسلام بالآستانة .. الفارق يكمن في الجهة التي كانت تدير الأموال وتضع أولويات إنفاقها وتحدد الهدف من هذا الإنفاق، فالسلطة العثمانية هي التي كانت تدير أموال الحرمين، بالطبع كانت تنفق على العلماء والمجاورين من المسلمين المقيمين هناك، لكن الجزء الأكبر كان يخصص لعمارة المسجدين ومرافقهما وخدمة الحجاج والمعتمرين والزوار، أما الدروس العلمية فكانت نتيجة عرضية غير مخطط لها، كل عالم يحدد لنفسه مواضيع الدروس والطريقة التي يتواصل بها مع المتلقين.

وكانت مشيخة الإسلام بالفعل مؤسسة علمية راقية ومنظمة، لكن الهدف من وجودها هو تقديم المشورة الفقهية للسلطان وجهاز الحكم، وبرغم كل الإحترام الذي تمتع به أعضاؤها فقد كانوا في النهاية موظفين حكومين، السلطان هو الذي يختارهم ويعينهم وهو الذي يعزلهم.

أما أوقاف الأزهر فقد كانت تحت السيطرة الكاملة لشيوخه، وهم الذين يضمون إليهم من يرونه أهلا لذلك، ويحددون معايير قبول الطلاب، وأعدادهم، والنفقات المخصصة لإعاشتهم ولتوفير مستلزمات العملية العليمية، ثم أن شيخ الأزهر كان يعين بالإنتخاب من كبار العلماء .. بإختصار كان شيوخ الأزهر يعملون عند أنفسهم ويقررون لأنفسهم .. كان هذا واحدا من أهم العوامل التي جذبت أكابر العلماء ليكونوا جزءا من هذه المنظومة .. كان ولاء الشيوخ والطلاب للمؤسسة نفسها وليس لأي جهة أخرى .. هل هذا يكفي لحمل الأزهر إلى تلك المكانة؟ .. ستجد أغلب الذين حاولوا تفسير قوة الأزهر الإستثنائية في ذلك العصر يذهبون إلى أن إستقلاله المالي كان هو مصدر قوته، لاشك أن هذا الإستقلال كان من عناصر القوة، لكنك لو تمعنت في الظروف الإجتماعية والسياسية لتلك الفترة لأدركت أن هذا الإستقلال المالي كان في حاجة لقوة أخرى ذات طابع سياسي تحميه من أطماع المماليك عندما تدهورت أوضاعهم المالية بعد الفتح العثماني .. هذه القوة الأخرى هي التي حافظت على المكانة التي تجاوزت ما كان لأي مركز آخر (ردا على الذين يفترضون أن الحماية الشعبية كانت عفوية) .. لقد كان مصدر الخطر، المماليك، هو في ذات الوقت سبب القوة.

نشأ المماليك كجماعة مغلقة من المحاربين الذين لم يندمجوا أبدا في المجتمع المصري، فقد كانوا على الدوام رقيقا جلبوا في سن الصبا من أواسط آسيا، ولديهم عرف صارم يقضي بأن إبن المملوك لاينضم للمحاربين وعليه أن ينخرط في الحياة المدنية، هذا ما حافظ على طبيعتهم المقاتلة وعزلتهم وتماسكهم، يعيشون في القلاع ويحترفون القتال، لا يتكلمون العربية فيما بينهم، ولا يتزوجون من المصريات، ومع ذلك تمتعوا بالشرعية في عيون المصريين الذين إعتبروهم هم المؤهلين للحكم وإقرار النظام، خاصة وأن أجيالهم الأولى، منذ قطز وبيبرس، تمتعوا بالحماسة الدينية والإنضباط الشرعي، وكانت لهم موارد مالية كبيرة يحصلون عليها بطريقة مشروعة، الخراج ورسوم التجارة العابرة بين أوروبا وآسيا، فلم يكونوا في حاجة لإيقاع الظلم المنظم بالشعب لجمع المزيد من المال، بل على العكس كانوا يتبارون في رصد الأوقاف الضخمة على المساجد والتكايا والخانقاوات التي كانت مراكزا للرعاية الإجتماعية والإقتصادية للشعب .. كان المماليك قبل العصر العثماني بعيدين تماما عن تلك الصورة الكاريكاتورية للمملوك الغبي الجاهل الذي لا هم له إلا سرقة أموال الأهالي، هذه الصورة لا تعبر إلا عن حالهم في العقود الأخيرة قبل الحملة الفرنسية .. لقد كانت الأجيال الأولى من المماليك تحظى بالقبول والإحترام من النخب المصرية بإعتبارهم حكاما عادلين وأبطالا للتحرير، فهم الذين صفوا الوجود الصليبي وأوقفوا الإجتياح المغولي، ومن جانبهم كان المماليك حريصين على إرضاء النخب المصرية، وعلى راسهم العلماء، لإكتساب شرعية شعبية تعوض كونهم غرباء منعزلين، فلم تكفهم الشرعية القانونية التي حصلوا عليها من الخلفاء العباسيين (الطراطير الذين لا يكاد يذكرهم التاريخ).

لم يكن لدى الجيش العثماني الفاتح معرفة بطبيعة الإدارة المصرية المعقدة، نظام الري والزراعة ومسح الأراضي .. إلخ، بينما راكم المماليك هذه الخبرة عبر القرون، لذلك أسند إليهم العثمانيون إدارة مصر، فقسموا السلطة بين ثلاث أطراف: الوالي (الممثل الشرعي للخليفة) والوجاقات (الحاميات العسكرية العثمانية) والمماليك (الأمراء المحليين)، ولعل هذا التقسيم كان مقصودا لخلق التوازن الذي يحول دون أي فريق والإستقلال بالحكم، المهم أن قيمة المماليك عند العثمانيين نتجت عن كونهم الأرستقراطية المحلية القادرة على سياسة الشعب وضبط أموره، فلو تراجع القبول العام للمماليك ودخلوا في صدام مع الشعب وإضطروا لإستخدام القمع لفقدوا مبرر إعتماد الخلافة عليهم، فالقمع يمكن أن يمارسه الجيش العثماني بنفسه .. هذا هو ما أعطى للأزهر قوته ذات الطابع السياسي في مواجهة كل من المماليك والسلطة العثمانية .. كان نوعا من لعبة توازن القوى.

لقد فقد المماليك جزءا كبيرا من مواردهم، فقد إختفت رسوم التجارة العابرة بسبب إكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح قبل الفتح العثماني بعدة عقود، وذهبت نسبة كبيرة من الخراج لخزينة الدولة العثمانية، الأمر الذي كان من شأنه أن يؤدي لطمع المماليك في أموال الأوقاف، لكن الأزهر إمتلك قدرة يحتاجها المماليك، هي القدرة على حشد المصريين خلفة بقوة وبسرعة، وأدرك المماليك أن من مصلحتهم إستمرار إمتلاك الأزهر لهذه القدرة طالما إستخدمها في دعم إدارتهم لمصر، والأزهر بدوره أدرك أن من مصلحته دعم المماليك طالما إحترموا إستقلاله وإستجابوا لمطالبه عندما يلجأ إليه الشعب، فالتفاهم مع المماليك الذين يحتاجونه أفضل من التعامل مع القوة الغاشمة للعسكر العثماني الذي سيكون هو البديل إذا ضعفت قدرة المماليك على ضبط الأمور .. يبقى السؤال: كيف إمتلك علماء الأزهر هذه القدرة على حشد الجماهير بقوة وبسرعة؟ .. هذا هو دور التنظيم الشعبي شديد التماسك واسع الإنتشار والذي يدين بالولاء لعلماء الأزهر: التكايا والزوايا الصوفية وطوائف الحرفيين، وهذا التنظيم هو موضوع المقال التالي بإذن الله.   

شارك المقال