4- حسن البنا والشيعة .. الفرق بين موقف الإخوان وموقف الأزهر

منذ 2 اسابيع | 1543 مشاهدات

يعطيك الدكتور عبد القادر الحسين إنطباعا بأن كل علماء السنة يعارضون التقارب السني الشيعي وأن حسن البنا إنفرد وحده بفكر لم يسبقه إليه أحد، ولكي يصل إلى هدفه يتبنى الدكتور الموقف الوهابي، مع أنه من أشد الناقدين للوهابية والمؤيدين لمدرسة الأزهر الفكرية، ويقول أن علي جمعة والبوطي من أهم شيوخه، فتجده ينتقد موقف البنا من الشيعة كأي وهابي عتيد حين يقول: ".. دعوة حسن البنا للشيعة والسنة، ولذلك تجد علي خامنئي، وأرجو الإعتبار من هذه الحقيقة الصادمة، تصدم الأخوة من الإخوان المسلمين، أكثرهم لا يعلم لأنهم لا يقرأون، ستجد أن علي خامنئي هو الذي ترجم كتب سيد قطب للفارسية، وهذه علامة فارقة واضحة جدا .." .. لا تعرف ما هو الصادم في هذه الحقيقة؟ .. ولماذا هي علامة فارقة؟ .. وما الذي توضحة؟ .. هل يريدنا أن نفهم أن كتابات سيد قطب رحمه الله قد جاملت عقائد الشيعة بطريقة ما لذلك ترجمها خامنئي؟.. يبدو أن الدكتور هو الذي لم يقرأ ولذلك لا يعرف المناخ الفكري الذي كان سائدا في أوساط مفكري الثورة الإيرانية عندما ترجم خامنئي كتب سيد قطب، فقادة هذه الثورة كانوا ينادون فقط بإسقاط الطاغية ورد الأمر للشعب ليقيم حكم الإسلام، يتفقون بذلك مع دعاة الإحياء الإسلامي في العالم السني، ولم يكن خامئي ولا غيره يعرفون وقتها نظرية ولاية الفقيه التي قام عليها نظام الملالي، ذلك أن الخوميني لم يبدأ في صياغة هذه النظرية إلا بعد نفيه من إيران إلى العراق، ولم يتحدث عنها خارج الحوزة العلمية بالنجف، ولم يرد لها ذكر في خطبه ورسائله العلنية قبل إنتصار الثورة عام 1979، وهي قضية تستحق أن نفرد لها مقالات مستقلة لنتعرف على حقيقة أيديولوجية الثورة التي دفعت أحد طلاب الحوزة العلمية الذي لم يكن يحمل وقتها لقب "آية الله" للإعجاب بسيد قطب .. ما يهمنا هنا هو أن نوضح أن رؤية البنا لوحدة العالم الإسلامي وضرورة التكاتف في مواجهة الغزوة الغربية الحديثة، ودعوته للتقارب السني الشيعي، ونظرته للفقه الجعفري الإثنى عشري (مذهب شيعة إيران) كمذهب فقهي خامس إلى جوار المذاهب الأربعة، كانت هي بالضبط رؤية الأزهر وموقفه الفكري والعملي الذي تبلور قبل أن يبدأ البنا دعوته التي إقتصر دورها على النزول بهذه الأفكار إلى مستوى المسلم العادي .. أما الموقف الذي يخرج الشيعة من أمة الإسلام فهو موقف وهابي لم ينتشر إلا بفضل الآلة الإعلامية لنظام آل سعود التي تحركت بنشاط بعد نجاح ثورة الشعب الإيراني (كما تحركت بذات النشاط بعد نجاح ثورة الشعب المصري لتروج لحكاية أن الإخوان هم خوارج هذا العصر).

تعال نستعرض الأسس الفكرية التي تقوم عليها مناهج الأزهر التعليمية وتقود مواقفه العملية فيما يتعلق بالشيعة الإثنى عشرية.

في مرحلة الإجازة العالية (الليسانس) يتخصص طالب الأزهر في واحد من مذاهب السنة الأربعة، ويدرس في مادة "الفقه المقارن" قضايا فقهية معينة (كالطلاق أو البيوع)، يستعرض فيها آراء المذاهب الأربعة ومعها غالبا آراء الجعفرية والزيدية كآراء فقهية معتبرة في الإستدلال، أما في الدراسات العليا (الماجستير والدكتوراه) فيمكن للطالب أن يتخصص في المذهب الجعفري أو الزيدي، فيختار موضوعا في الفقه أو أصول الفقه لديهما، أو تكون رسالته في تحقيق بعض مخطوطات هذين المذهبين، صحيح أن الشهادة لن يكتب عليها "دكتوراه في المذهب الجعفري"، فهي ستكون دكتوراه في الفقه المقارن أو أصول الفقه، لكن موضوع الرسالة يكون متخصصا في المذهب الجعفري (أو الزيدي)، كأن يكون مثلا "أصول الإستنباط في المذهب الجعفري وعلاقتها بمقاصد الشريعة"، ومن وجهة نظر علمية أزهرية يصبح الباحث متخصصا وخبيرا في هذا المذهب.

ولا يتوقف الأمر على البحوث الأكاديمية، فعلماء الأزهر يدخلون المذهب الجعفري ضمن المذاهب الفقهية التي يتم الترجيح بين آرائها وإختيار واحدا منها عند وضع بنود القوانين المصرية، وهذا إعتراف عملي صريح بصلاحية هذا المذهب للتعبد به، ودراسته ليست مجرد دراسة نظرية بهدف المعرفة المجردة .. وإليك بعض الأمثلة:

القانون رقم 25 لسنة 1029 (قبل أن يسمع أحد عن حسن البنا أو الإخوان المسلمين) أخذ واضعيه من الفقه الجعفري عدة بنود.

  • في الطلاق المعلق: كأن يقول الرجل "علي الطلاق إن فعلت كذا"، وكان هذا الطلاق يقع عند المذاهب الأربعة، لكن القانون المصري أخذ الحكم من الفقه الجعفري بأن الطلاق لابد أن يكون منجزا ومقصودا لذاته حتى يقع (المادة 2).
  • الطلاق بالثلاث في مجلس واحد: وكانت تقع ثلاث طلقات عند المذاهب الأربعة، لكن القانون المصري أخذ برأي الفقه الجعفري (وهو أيضا رأي إبن تيمية) بأنها تقع طلقة واحدة (المادة 3).

وأشهر إستعارة من الفقه الحعفري كانت في المادة 76 من قانون الوصية رقم 71 لسنة 1946 بشأن الوصية الواجبة، ففي المذاهب الأربعة إذا توفي الإبن في حياة أبيه فإن أولاد هذا الإبن (الأحفاد) لا يرثون من جدهم نظرا لوجود أعمامهم، عملا بقاعدة أن الأقرب يحجب الأبعد، فأخذ القانون المصري بحكم المذهب الجعفري، وهو أن الجد يعتبر كأنه أوصى لهؤلاء الأحفاد بمقدار حصة أبيهم المتوفى (بشرط ألا تتجاوز الثلث)، وتنفذ هذه الوصية بحكم القانون حتى لو كان الجد لم يوص لهم فعلا.

كما ترى لا يمكن لأي طالب أزهري – ناهيك أن يكون أستاذا للتفسير وعلوم القرآن بجامعة دمشق – أن يجهل إحترام الأزهر لمذهب الشيعة الإثنى عشرية الفقهي وأخذه بعض الأحكام منه، مقدما إياه أحيانا على آراء المذاهب الأربعة، الأمر الذي يجعلنا نستبعد أن يكون الدكتور الحسين قد تبنى هذه الأفكار التي عرضناها في المقالات الأربع السابقة نتيجة إنتمائه لمدرسة الأزهر الفكرية، وبالفعل عندما إستعرضنا فيديوهاته الأخرى التي تناول فيها الإخوان وجدناه يردد مقولة بعض المشايخ الذين يناهضون كل الحركات السياسية الإسلامية بزعم أن مذهب أهل السنة والجماعة يحرم الخروج على الحاكم مهما كانت مظالمه ما لم يكفر كفرا بواحا أو يترك الصلاة، ويزيدون عليها أن كل معارضة للحاكم هي خروج محرم، وقد فندنا هذه المقولة وأوضحنا خطأهم في مقال سابق (بين المعارضة والخروج والخوارج)، وبينا أن الخلفاء الراشدين رحبوا بالمعارضة وأداروا حوارات مع معارضيهم، وأن أئمتنا الأعلام نظروا بكل الإحترام والتقدير لعدد من قادة حركات الخروج المسلح التي قامت ضد طغيان الحكام، كالحسين بن علي وعبد الله بن الزبير وزيد بن علي زين العابدين ومحمد النفس الزكية وأخيه إبراهيم رضي الله عنهم أجمعين، سنخصص المقال القادم بإذن الله لعرض بعض حركات المقاومة الأزهرية لمظالم الحكام.

 

 

شارك المقال