منذ 1 ايام | 628 مشاهدات
لاشك أن للإخوان أخطاءهم، لكن العجيب أنه يحاول إقامة الأدلة على فساد أفضل ما فيهم: قدرتهم على تمثل وتطبيق مقولة الشيخ رشيد رضا "نعمل فيما إتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضا فيما إختلفنا فيه"، فيأخذ الدكتور عبد القادر الحسين على الإخوان أنهم ".. يسيرون على قاعدتهم: ألا فرق بين وهابي وبين أشعري، ما دام ولاؤهما للجماعة فهما سواء، لذلك يجمعهم الإخوان، ولذلك ليس عندهم حرج أن يكون الشيعة معهم، هذه دعوة حسن البنا: للشيعة والسنة .."، ثم يضيف: "ستجد الوهابي إخوانجي وستجد الصوفي إخوانجي، وستجد كل فريق يحترم الآخر لأنهما ينتسبان إلى جماعة واحدة .. كتابات سعيد حوى الصوفي الشاذلي يحترمها الإخوان قاطبة حتى من كان منهم عنده نفس سلفي أو وهابي .. هذا هو الواقع" ..
سبحان الله، أيؤخذ هذا على حسن البنا؟ .. وقد كنت أرى أنه من أعظم إنجازاته، تمكنه من بناء جماعة متماسكة يسودها التسامح في الخلافات المذهبية والإعتقادية في سبيل وحدة الصف في مواجهة تحديات جسام، لكن أستاذ التفسير وعلوم القرآن يصدمك برأيه "نظرتي لهذا الأمر: هذا مخالف .. هذه صورة عندية صغيرة .. إيش عندية؟ يعني كل واحد منا على حق .. أنت أشعري وأنا وهابي، خلاص، لا نختلف، نعمل في المشترك .. هذه عندهم عالمانية، هذه نوع من السوفسطائية، لأن الحق لا يتعدد، الله تعالي قال: فماذا بعد الحق إلا الضلال" .. ما هذه السطحية الساذجة .. من قال أن التسامح والعمل معا في ما نتفق فيه يعني أني أرى المخالف على حق في ما إختلفنا فيه؟ .. ما زال الأشعري يرى أن الوهابي يعاني من إنحراف نحو التشبيه والتجسيم، وما زال الوهابي يرى أن الأشعري يعاني من إنحراف نحو التعطيل والتأويل، لكنهما يجتمعان على رأي واحد في ضرورة مواجهة العالمانية والهيمنة الغربية والإستبداد والقمع وإستبعاد الإسلام من الحياة، فلا يريان بدا من التكاتف في هذه المعركة، كما تكاتف الصحابة مع القبائل العربية المسيحية في قتال الفرس والروم (راجع مقال "مغالطات سلفية")، ولا مجال هنا للإستدلال بقوله تعالى “فَذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ ۖ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ” يونس: 32 .. هذا في العقيدة: لا مساومة ولا حلول وسط، أما في العلاقات الإجتماعية والمسائل العملية فإنه جل وعلا القائل: "لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" الممتحنة: 8، وهو الذي أباح للمسلم أن يتخذ من المسيحية شريكة لحياته ويتعايش مع كون أم أولاده وأخوالهم من عباد المسيح، ثم يأتي من يرفض أن يتخذ من أهل البدع شركاء في مواجهة أعداء الإسلام ويعتبره موقفا عالمانيا [!!]
إن التحالف مع المخالفين لمواجهة عدو مشترك ليست فكرة ثورية كما قد يتصور البعض، فها هو الأزهر، حصن الفكر التقليدي، يتحالف مع الفاتيكان، أكبر قيادة مسيحية، لمواجهة الأجندة الليبرالية المتطرفة التي حملتها الوثيقة المقترحة لمؤتمر الأمم المتحدة للسكان والتنمية الذي إنعقد في القاهرة عام 1994، صحيح أن التحالف لم يتمكن من إدخال تعديلات جوهرية على البنود المتعلقة بالإجهاض والمثلية والحرية الجنسية والحقوق الإنجابية للمراهقينن، لكن الأزهر، بفضل دعم الفاتيكان ومنظمات مسيحية (وإسلامية بالطبع) نجح في إضافة "تحفظا سياديا" نص على أن "تطبيق التوصيات الواردة في برنامج العمل هو حق سيادي لكل دولة .. بما يتفق مع القوانين الوطنية والمواثيق الدينية والقيم الأخلاقية والثقافية"، وبغير هذا التحفظ كانت وثيقة المؤتمر ستصبح جزءا من قوانين الدول الأعضاء (كما هو حال وثيقة حقوق الإنسان مثلا) فيصبح من حق المواطن في أي دولة إسلامية أن يلجأ للقضاء للمطالبة "بالحقوق" الواردة في الوثيقة .. لم يكن للأزهر بمفرده أن يتمكن من إدراج هذا التحفظ.
وأنظر إلى إستدلاله المتهافت على بطلان قاعدة "نعمل فيما إتفقنا فيه ..": "النبي عليه الصلاة والسلام لم يقل جاملوا أهل البدع، جاء عنه أن القدرية مجوس هذه الأمة، وجاء عنه أن الخوارج كلاب أهل النار، ما قال نعمل مع الخوارج في ما إتفقنا فيه ويعذر بعضنا بعضا في ما إختلفنا فيه، وكان قادرا أن يقول ذلك، تصور لو أن أحمد بن حنبل وسائر علماء أهل السنة والجماعة ساروا على طريقة حسن البنا أيام كان الإعتزال رائجا وقالوا نعمل في ما إتفقنا فيه ويعذر بعضنا بعضا في ما إختلفنا فيه، سيزول أهل السنة، لماذا؟ لأن الله تعالى يقول "فماذا بعد الحق إلا الضلال" .. هل نسمع كلام حسن البنا أم نسمع كلام الله تعالى؟"
تعالى نفند مقولاته واحدة واحدة، لنكتشف أنه لم يفهم تطبيق السلف للكتاب والسنة، بل ربما فهمه بالمقلوب.
من قال أن ضم أهل البدع لصفوف المجاهدين هو مجاملة لهم؟ وهل كان الصحابة (رض) يجاملون أهل الكتاب عندما ضموهم لصفوف المقاتلين أم كانوا يستعينون بهم على قتال الأعداء؟ أيهم أبعد: المسلمون الموحدون الذين إنحرفوا ببعض البدع أم المثلثون الذين أشركوا بعبادة المسيح؟
أما كلامه عن الخوارج فيدل على جهل بأحكام التعامل معهم، صحيح أن الرسول (ص) لم يقل نعمل مع الخوارج في ما إتفقنا فيه، لكن هذا هو بالضبط ما فهمه علي بن أبي طالب (رض) من هدي الرسول (ص)، إذ عندما إعتزل الخوارج في حروراء -بعد موقعة صفين وحادثة التحكيم – أرسل إليهم أن: "لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه، ولا نمنعكم الفيء ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نبدأكم بقتال ما لم تُحدثوا فسادا"، إن فهم علي (رض) ليس إلا تطبيقا لتلك المقولة التي يرفضها الدكتور، ومن سلوك علي بن أبي طالب مع الخوارج إستنبط الفقهاء أحكام التعامل معهم.
وقد أخطأ الدكتور خطأ فادحا في فهم موقف أئمة أهل السنة من المعتزلة، فعلماء السنة الذين تصدوا لبيان أخطاء المعتزلة الفكرية (لم تكن مسألة خلق القرأن هي نقطة الخلاف الوحيدة) هم أنفسهم الذين عملوا مع المعتزلة في ما إتفقوا عليه من مقاومة الطغيان وجهاد الظالمين، وقد ذكرنا في مقال "التشيع المجهول.." كيف دعم الإمامان أبو حنيفة ومالك ثورتي زيد بن علي ومحمد النفس الزكية (رض)، وشجعا على الإنضمام لهما، مع أن زيدا ومحمدا (رض) كانا معدودين من شيوخ الإعنزال، وكان جل الخارجين معهما من المعتزلة، وما زال الشيعة حتى اليوم ينتمون في عقائدهم لمدرسة الإعتزال، بإستثناء بعض المسائل المتعلقة بالإمامة.
أما موقف حسن البنا من الشيعة فهو بحذافيره موقف الأزهر الشريف، وسنخصص المقال التالي بإذن الله لهذا الموضوع.