منذ 1 ايام | 694 مشاهدات
رغم سلامة التحليل السياسي الذي يقود إلى أن الموقف الصحيح اليوم هو دعم إيران بغض النظر عن دينها أو تاريخها تجد من يرفضه بسبب مسئولية إيران عن فظائع نظام الأسد، ونحن نوافق تماما على تحميل نظام الملالي بهذه المسئولية، لكن هل ينبغي أن يقود هذا إلى قطيعة نهائية مع الشعب الإيراني؟ .. لماذا إذن ننسب قتال الجيش المصري في اليمن لنظام عبد الناصر وننتهز كل فرصة للإعتذار عنه (البعض قد نسيه تماما)، ناهيك أن يتذكر أحد الفظائع التي إرتكبها جيش محمد علي عندما ذهب لإسقاط الدولة السعودية الأولى، لماذا يرفضون أولوية الحفاظ على الشعب الإيراني ومقدراته من أن تبتلعها أمريكا ثم نتجه بعد ذلك لبحث سبل المصالحة ورأب الصدع؟ .. يقولون لك: لا أمل في هذه المصالحة، فالشيعة كانوا عبر التاريخ في صف أعداء الأمة، لابد أن شيئا في مذهبهم يمنعهم من الشعور بأنهم جزء منها .. ويرددون هذه الفكرة، فكرة أن الشيعة كانوا دائما مع العدو، ويقبلونها كما لو كانت مسلمة لا يمكن دحضها، ويستنتجون منها أننا لا ينبغي أن نثق بهم ولا أن نشغل أنفسنا بالدفاع عنهم إذا تعرضوا للعدوان .. لا أدري من أين جاءوا بهذه الفكرة، لكن المؤكد أنها لم تكن نتيجة إستقراء أحداث التاريخ.
وللتدليل على صحة دعواهم يسردون قصصا عن بعض الشخصيات الشيعية التي ساعدت المغول، فيحدثونك عن مؤيد الدين بن العلقامي، الوزير العباسي الشيعي الذي عاون جيش هولاكو في غزوه لبغداد، وعن نصير الدين الطوسي الذي عمل في خدمة السلطة المغولية، وبعض الأمثلة الأخرى، عسى أن تقتنع أن الفكر الشيعي هو الذي يدفع أتباعه لخيانة الإسلام والمسلمين.
يجهل هؤلاء، أو يتجاهلون، أن المسلمين الذين خدموا الدولة المغولية قبل سقوط بغداد وبعده كان جلهم من أهل السنة، فقد كان آل الجويني، وهي عائلة سنية شافعية شهيرة ينتسب إليها بعض أكابر العلماء، واحدة من أهم ركائز الدولة المغولية، فكان علاء الدين الجويني هو صاحب ديوان هولاكو (أشبه برئيس الوزراء) ومرافقه في حملته على بغداد، وبعده تولى شمس الدين الجويني منصب الصدر الأعظم لعشرين سنة (مع هولاكو ثم إبنه أباقا) .. كثيرون غيرهم تولوا مناصب قيادية في الدولة المغولية، فقد كان المغولا تحالفا لقبائل بدوية ليس لها خبرة في إداة المجتمعات المستقرة، فإعتمدوا على العلماء والفقهاء في المدن التي إستسلمت (مثل أصفهان وشيراز)، والتي كانت وقتها ذات غالبية سنية، فإستمروا في مناصبهم، يجمعون الضرائب لتمويل الجيش ويصدرون الفتاوى التي تضمن هدوء الرعية، كما إنضمت أعداد كبيرة من المسلمين، سنة وشيعة، للجيش المغولي.. لقد كانت الأغلبية الساحقة من المسلمين الذين خدموا المغول من أهل السنة، فهل ستقبل من الشيعة أن يتخذوا من هذه الحقيقة التاريخية مبررا للقول بأن مذاهب أهل السنة هي التي دفعتهم لخيانة الإسلام والمسلمين، أم ستوافق على أن الخيانة لا ترتبط بالمذهب؟
في كل مرحلة من مراحل الصراعات الكبرى ستجد من الشيعة من خدم العدو وقاتل معه، لكنك ستجد أن القوى السنية التي فعلت نفس الفعلة فاقت في حجمها وتأثيرها القوى الشيعية، وتعال لنراجع الحالة المزرية إبان الحروب الصليبية.
لقد عرضنا موقف الدولة الفاطمية، الإسماعيلية، من الصليبيين في مقال سابق ("متى أصبح الشيعة كفارا")، وهو بخيره وشره لا يصلح للإستدلال على موقف الإثنا عشرية، وكذلك كان النزارية (الذين إشتهروا بالحشاشين) إسماعيلية لا علاقة لمواقفهم بموضوعنا، أما الإثنا عشرية فلم يكن لهم في زمن الحروب الصليبية قوة منظمة، لكنهم إنضموا إلى سائر المسلمين في مقاومة الغزاه، بالدفاع عن مدنهم (والمثال الأشهر هو الدفاع عن أسوار حلب، وكان للإثنا عشرية ثقل وازن فيها) ثم بتشكيل مجموعات مارست حرب العصابات التي لن تقرأ عنها كثيرا في كتب التاريخ التي لا تهتم إلا بالمعارك الكبرى، وقد إنضمت أعداد كبيرة من الإثنى عشرية إلى جيوش نور الدين وصلاح الدين .. لن تجد في الحروب الصليبية ذكرا لخيانة قام بها اٌثنا عشرية، بل مواقف مشرفة دفاعا عن أمتهم وديارهم.
لكنك ستجد أن كل الإمارات التي تحالف حكامها مع الصليبيين وقاتلوا معهم كانت إمارات سنية، وهاك بعض الأمثلة:
كان "رضوان بن تتش" حاكم حلب السني هو أول من تحالف مع حاكم إنطاكية الصليبي ضد خصمه حاكم الموصل – السني أيضا – الذي قام بدوره بالتحالف مع أمير صليبي هو "بودوين"، ليرسموا في معركة تل باشر عام 1108م صورة بائسة لمعركة يتقاتل فيها تحالف سني - صليبي ضد تحالف آخر هو بدوره سني - صليبي.
ولإجهاض محاولات عماد الدين زنكي توحيد الشام لقتال الصليبيين قام أمراء دمشق من أحفاد طغتكين، سلاجقة سنة، بالتحالف مع مملكة بيت المقدس الصليبية وسلموها حصن "بانياس" بالإضافة لجزية سنوية ضخمة، ذلك أن الوحدة تحت الراية الزنكية كانت تعني بالنسبة لهم فقدان عروشهم المستقلة.
ولم تكن سيرة الأيوبيين من خلفاء صلاح الدين مشرفة، فها هو الملك الكامل حاكم مصر يوقع عام 1229م إتفاقية مع الإمبراطور فردريك الثاني ليسلمه "بيت المقدس" بدون قتال مقابل دعم الإمبراطور له في صراعه ضد إبن أخيه "المعظم عيسى" حاكم دمشق، وبعدها بقليل، عام 1240م، يذهب الصالح إسماعيل حاكم دمشق في نفس الطريق، إذ تحالف مع الصليبيين ضد إبن أخيه الصالح نجم الدين أيوب حاكم مصر، وسلمهم قلعتي "شقيف" و"صفد"، بل وسمح لهم بدخول دمشق لشراء السلاح (الأمر الذي تصدى له العلماء وعلى رأسهم العز بن عبد السلام، لكن هذه قصة أخرى).
وتتعجب ممن يستند إلى تعاون الدولة الصفوية مع القوى الأوروبية في صراعها مع الدولة العثمانية، فنحن نعلم أن جل علماء الإثنا عشرية لم يعترفوا بشرعية تمثيل هذه الدولة لمذهبهم (راجع مقال ".. الدول الشيعية قبل الخوميني")، وفي المقابل لابد أن تذكرهم ببطولات الدولة الحمدانية الإثنا عشرية وأميرها سيف الدولة الذي قضى عمره في منازلة الدولة البيزنطية وخاض معها 40 معركة (وهو إبن عم الفارس الشاعر أبو فراس الحمداني الذي ربما لا تعرف عنه إلا "قصيدته أراك عصي الدمع")، ومع أن هذه الدولة كانت معاصرة للفاطميين فإنها أعطت ولاءها السياسي للخلافة العباسية.
إذا خطر ببالك أن تستخدم حجم الخيانة كمؤشر على مدى فساد المذهب فستتوصل إلى أن مذاهب أهل السنة أشد فسادا من الشيعة، لكن هذه ليست طرقة مقبولة للتفكير في الأمر، فلم يكن للخيانة مذهب، إلا عند هؤلاء الذين يريدون التمحك في أي شيء ليبرروا تحالفهم هم اليوم مع أعداء الأمة، أو عند بعض المخلصين الذين تأثروا بهم بغير وعي وبدون تمحيص.