منذ 6 سنة | 2157 مشاهدات
فهم البعض من مقال سابق "هل ما زلت تؤيد الشرعية" أنني أدعو للتخلي عن فكرة أن الدكتور محمد مرسي ما زال هو الرئيس الشرعي لجمهورية مصر .. على الإطلاق .. لم أقصد هذا، بمعنيين: الأول هو أن المقال لم يكن يرمي لطرح هذه الفكرة من الأصل، والثاني هو أن هذه الفكرة خاطئة (إلى أن يتمكن أحدهم من إثبات العكس).
كان المقال السابق يهدف إلى التذكير بالأولويات، وتقديم الأصل على الفرع، فإستعادة الديموقراطية هي الأصل، وشرعية الرئيس مرسي هي الفرع الذي لا نتمسك به إلا لدعم الأصل، ولو ثبت في أي وقت من الأوقات أنه من الممكن إستعادة الديمقراطية إذا تخلينا عن رئاسة مرسي، أو أن تمسكنا به هو العقبة أمام إستعادتها، فإنني أعتقد أن الرئيس هو الذي سيطالبنا بنفسه أن نقبل الديمقراطية بدونه، لكن المشكلة هي أنني لا أستطيع تصور طريق لإستعادة الديمقراطية بدون الإرتكاز على فكرة أن لمصر رئيسا شرعيا نطالب بتحريره، ليقوم هو بنفسه بإستكمال البناء الديموقراطي الذي سيكون فيه القرار للشعب يختار بحرية من يشاء.
لقد عارضت برنامج الرئيس منذ البداية، وكتبت قبل الإنقلاب أنتقد تباطؤه في تطهير الدولة من ركائز نظام مبارك، وتفاوضه مع صندوق النقد، والأداء الإعلامي المتدني لوزيره في الإعلام، وإتجاهه للتعامل مع الشعب كرئيس دولة لا كقائد ثورة، وغيرها من المواقف، ولم أر سببا للإعتراض على محاولات الدكتور حازم أبو إسماعيل والأستاذ مجدي حسين – فك الله أسرهما وجميع المأسورين – لتكوين تحالف إسلامي معارض للإخوان يتبنى برنامجا أكثر إقترابا من مبادئ ثورة يناير وتلبية لتطلعات الشعب المصري، فإن نجحا فبها ونعمت، وإلا فإن المحاولة نفسها تعد وسيلة فعالة للفت نظر الرئيس وجماعته إلى الخلل الفكري الكامن في "برنامج النهضة"، لكن هذا كله شيء، وقبول الإنقلاب عليه أو الثورة ضده شيء آخر، فالرجل وصل إلى السلطة بإنتخابات لا شك في نزاهتها، وكان في ممارسته ديمقراطيا لأقصى درجة (ودعك من السخافات الغبية التي تتحدث عن ديكتاتوريته)، بل أنه تهاون في محاسبة معارضيه عندما خرجوا عن أصول الممارسة الديموقراطية وإخترعوا أكاذيب يعاقب عليها القانون ليبرروا هجومهم عليه .. إذا لم يكن هذا هو الرئيس الذي لا يجوز الإنقلاب عليه أو الثورة ضده فمن يكون إذن؟ .. الرجل لم يغلق بابا واحدا من أبواب الديمقراطية التي يستطيع معارضوه أن يدخلوا من أيها لتغييره (ومنها تظاهرة 30 يونية التي لم يحاول منعها أو قمعها)، لو كان في مكنتهم تغييره.
قد يكون ما سبق دفاعا معقولا عن الدكتور مرسي، لكنك قد لا تراه كافيا للتمسك بشرعيته، وتسأل: لماذا لا نتجاوز هذه المسألة ونعترف بالأمر الواقع ونعمل على التغيير من داخله؟ .. الإجابة هي: هل هذا ممكن؟
لا أعرف حكما عسكريا واحدا إنتهى من خلال العمل السياسي من داخله، أي بالقبول بقواعد اللعبة التي يضعها العسكر للمارسة السياسية، أي أن المعارضين قاموا بالدعاية ثم الترشح للبرلمان ليحصل أنصار الديموقراطية على الأغلبية .. لم يحدث هذا على الإطلاق (ولو كان القارئ يعرف حالة واحدة فارجو أن يخبرني بها، كي ندرسها ونحاول تقليدها) .. الجنرال لا يسقط إلا بإنقلاب يستبدل به جنرالا آخر ويبقى النظام عسكريا (عدا حالة واحدة، هي حالة سوار الذهب في السودان .. لكن هذه التجربة لم تكن عملا سياسيا بأي معنى من المعاني، ولا ينبغي، عندما نتكلم في السياسة، أن نتناولها)، أو بضغط شعبي كبير يعلن رفضه لقواعد اللعبة التي صممها العسكر ويطالب بتعديلها لتحقيق ضمانات حق الشعب في إختيار رئيسه وبرلمانه، بتزايد هذا الضغط يتولد إتجاه داخل الجيش يرى أن طمع الجنرالات يسيء للجيش كله ويعرض الوطن للخطر، عندها يبدأ الجنرالات في البحث عن طريقة للخروج الآمن.
إذا سألت قادة المعارضة في أي واحدة من التجارب التي نجحت في إزاحة العسكر عن أهم مشكلة واجهتهم سيقولون لك أنها غياب الرمز الذي يمكن تجميع الشعب حوله، فالمعارضون كلهم مواطنون عاديون، لا تسمح ظروف القمع بظهور واحد منهم ليكون شخصية تلتف حول مطالبها جماهير الشعب، فالإنقلاب إما حدث ضد نظام فاسد لا يمكن الدفاع عنه أو المطالبة بإستعادته، أو ضد نظام قبل بالإستسلام وترك السلطة طواعية للعسكر وإنتهى بذلك أمره .. وهي بالفعل مشكلة، فكيف تصوغ المعارضة مطالبها الديمقراطية في نقاط مختصرة محددة وواضحة يمكن للجماهير أن تقف خلفها، وتكون في نفس الوقت قاطعة بحيث لا يمكن للعسكر الإلتفاف حولها والإدعاء بأنهم موجودون بالديمقراطية لكن المعارضة قوم لا يفقهون؟
نحن لدينا حالة نادرة لم تتكرر كثيرا، رئيس ديمقراطي وطني نظيف، وهو لم يستسلم ولم يعترف بشرعية المنقلب، فكيف نفرط في هذا الرئيس كمحور للمطالبة بإستعادة الديمقراطية؟ .. وهل لدى من يطالب بالتخلي عنه رؤية بديلة؟ .. أم أنهم يدسون لنا السم في العسل: يريدون منا أن نتخلى عن رئيسنا ثم نقف مكشوفين في العراء .. وللموضوع بقية.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.