منذ 7 سنة | 2705 مشاهدات
ذكرت في المقال السابق أن فكرة تصحيح الخطاب الديني هي فكرة يروج لها العالمانيون عندنا منذ عدة عقود، وتمدهم مراكز البحث الغربية بالزاد الفكري اللازم لإنجاز هذه المهمة (لأسباب ذكرناها في الفصل الأخير من كتابنا "بؤس الحل الليبرالي" تحت عنوان "عولمة الثقافة" ص ص 61-62)، وهي تختلف إختلافا جوهريا عن فكرة أخرى طالما تبنتها الحركات الإسلامية المعاصرة تحت إسم "تجديد الخطاب الديني"، تختلف في مضمونها وفي أهدافها.
ينطلق أنصار تجديد الخطاب الديني من الإسلاميين من حديث رسول الله (ص): "يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها"، فتجديد الدين لا ينطوي على إدخال أي عناصر جديدة إليه، بل على العكس تماما، يهدف إلى إعادته كالجديد، إلى حالته التي كان عليها يوم أنزل، قويا قادرا على قيادة الأمة، فمع الزمن تبتعد ممارسات الأمة عن أن تكون تطبيقا صحيحا لتعاليم دينهم بسبب عاملين:
الأول: تحت ضغط إستبداد الحكام وترف المترفين تظهر فئة علماء السلاطين الذين يقدمون فتاوى مزورة لا تلتزم بالأصول العلمية للإستنباط الفقهي وتتعارض مع الفهم السليم للكتاب والسنة ولا تأخذ في إعتبارها المقاصد العليا للشريعة، لتعمل هذه الفتاوى على تسويغ طغيان الحكام وفساد المترفين، وتلبسها ثوبا شرعيا ملفقا حتى يتقبلها المسلمون ويتوقفوا عن إستنكارها.
الثاني: مع تطور الحياة تظهر متغيرات سياسية وإقتصادية وإجتماعية، وبسبب غفلة العلماء الصادقين وركونهم إلى الدعة، أو بسبب إقصائهم عمدا عن القيادة الثقافية للأمة، يقع الناس ضحية قيادات دنيوية تريد مواجهة هذه المتغيرات بحلول أنانية فاسدة لا تراعي مقاصد الشريعة ولا مصالح الأمة، أو ببساطة يقلدون الآخرين بدون تبصر.
والنتيجة هي أن الإسلام يبتعد قليلا أو كثيرا عن قيادة الحياة، فيظهر من يعمل على إعادة الإسلام جديدا قادرا على قيادتها (البعض يقولون أن "من" هنا تشير إلى عالم مجتهد فذ يسمونه مجدد القرن، وآخرون يرون أنها تشير إلى طائفة من المصلحين في شتى المجالات وليس في الفقه وحده)، فيتم فضح تزوير المزورين وبيان كذبهم على الله ورسوله، كما تظهر الإجتهادات العلمية السليمة في المستجدات، لتوضح للناس الممارسات المتفقة مع المقاصد العليا للشريعة في جوانب حياتهم المعاصرة .. هذا هو التجديد الذي نتحمس له، أما التصحيح الذي تطالبنا به مراكز البحث الغربية، ويعمل له العالمانيون، فشيء مختلف.
بالنسبة للعالمانيين يعد الدين، أي دين، مجرد ظاهرة إجتماعية، فالإسلام عندهم في أي وقت هو ما يكون عليه المسلمون في ذلك الوقت، بغض النظر عن صلته بالوحي الذي أنزل على محمد بن عبد الله (ص) (وهم لا يعترفون بخلود التعاليم، هذا إذا أقروا بالنبوات)، فالدين في علم الإجتماع الوضعي هو مجرد إفراز للعقل الجمعي للشعب، منتج ثقافي يلبي حاجات معينة، يتطور لذلك مع الزمن ومع تطور الشعب، ومن الأنسب إذن، إذا لم نستطع التخلص من هذه الثقافة الموروثة من عصور التخلف، أن نعمل على تطويره ليلائم إحتياجات الحياة الحديثة .. هذا إذا كنت عالمانيا مخلصا تصدق ما يقول منظرو العالمانية أنه السبيل الوحيد للتقدم، أما إذا كنت عميلا فيمكنك إستخدام هذه الفكرة العالمانية لتعمل تحت ستارها لإزالة كل العناصر التي تؤدي إلى تميز الأمة الإسلامية، وعلى الأخص تلك التي يمكن الإعتماد عليها في بناء نهضة مستقلة، فتحول الإسلام إلى دين سلبي يقتصر على الجوانب الروحية والأخلاقية، وتنزع منه كل ما يستنفر المسلمين لمواجهة الهجمة الغربية الشرسة الكاسحة التي تتستر تحت غطاء براق إسمه "العولمة"، والتي هي في جوهرها عملية إستلحاق كل شعوب العالم لهيمنة الغرب الإقتصادية .. لا يوجد في الإسلام ما يحتاج إلى تصحيح، لكن يوجد به بالتاكيد ما يدفع المسلمين للإعتزاز بخصوصيتهم الحضارية والتمسك بأسلوبهم في إدارة حياتهم، وهذا هوم ما يغضب الغرب من الإسلام ويريد "تصحيحه"، وليس أي شيء آخر، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون
المقال السابق: تصحيح الخطاب الديني - 1.