منذ 3 اسابيع | 1219 مشاهدات
إجتمع عدد من المعارضين المصريين في الخارج في "لاهاي" تحت لافتة "المؤتمر الوطني – خطوة نحو التغيير"، ولولا أن الإعلام المصري تناول هذا الخبر بحدة تجاوزت غالبا حدود اللياقة، ووصلت أحيانا إلى حد البلاهة (كإتهام الحضور بالعمالة لإيران وللموساد، تهمتان لا تجتمعان) ما سمع به إلا القليلون، وبإستثناء بعض الدراسات عن سوء الأوضاع في مصر لم أجد فيه ما يزيد عن التعليقات التي نجدها على وسائل التواصل، لعل فائدة المؤتمر أنه ذكر من سمع به بوجود عدد من معارضي النظام لم يستسلموا بعد، ودون القدح في أي من المشاركين، ونحن نكن لبعضهم عظيم التقدير، لم أجد له فائدة فيما يتعلق بجهود التغيير، وسأعرض في ما يلي ما قادني لهذه النتيجة.
لم يقل أحد من منظمي المؤتمر أنهم بصدد مناقشة سبل تغيير النظام، وحسنا فعلوا، فلم يحدث أن نجحت حركة تعمل من خارج بلادها في تغيير النظام، قصارى ما تطمح إليه، وأحيانا تنجح، هو أن تمارس ضغطا على النظام ليصلح نفسه بنفسه، أما الدور الأساسي للمعارضة في الخارج فهو توضيح عيوب النظام إلى أن تتمكن الجماهير في الداخل من بناء حركة معارضة، وإذا كانت الحركة بالقوة التي تضطر النظام لأن يسمح لها بالعمل فقد تتمكن من المساهمة في إصلاحه، المشكلة هي أن النظم المستبدة نادرا ما تقبل بذلك إلا تحت ضغط كبير، فهي تعرف أن المعارضة المنظمة ما أن تتواجد بشكل علني حتى تصبح ككرة الثلج التي تظل تتدحرج وتكتسب حجما وزخما متزايدا لا يمكن إيقافه إلا بموجة قمعية شديدة.
قد نتساءل: لماذا نطلب إعتراف النظام بالمعارضة؟ .. الإجابة بسيطة: المعارضة لا تكون إلا من داخل النظام بهدف تعديل مساره وليس تغييره، أما إذا كنت تعتقد أن النظام لا يمكن إصلاحه ويجب تغييره فأنت إذن بصدد القيام بعمل ثوري، ولم تنجح ثورة أبدا بالعمل من الخارج، قد يتخذ بعض قادة الثورة مقرا لهم خارج البلاد تجنبا لبطش النظام، لكن قوام عملية التغيير لابد أن يكون داخل الوطن.
أعلن المنظمون أن هدفهم هو مناقشة ترتيبات اليوم التالي لسقوط النظام دون التعرض للكيفية التي سيتم بها إسقاطه .. قد يبدو هذا الكلام معقولا للوهلة الأولى، لكنك لو تمعنت فيه لشككت في هذه المعقولية.
في اليوم التالي لسقوط أي نظام تبدأ المرحلة الإنتقالية التي يتم فيها إعادة بناء مؤسسات الدولة بالطريقة التي يتطلبها النظام الجديد، بعض المداخلات تناولت تصورات عن النظام المطلوب وليس عن المرحلة الإنتقالية بين النظامين، لو كنت بين الحضور لطلبت نقطة نظام لأن المتحدث خرج عن جدول الأعمال، لكن هذا يتعلق بأسلوب إدارة المؤتمر وليس بالهدف منه .. إعتراضي على الهدف نفسه، لا يمكنك الحديث عن المرحلة الإنتقالية ما لم تكن تعرف القوى التي ستسقط النظام والوسائل التي ستستخدمها.
في المرحلة الإنتقالية تمسك مجموعة جديدة بزمام الأمور كسلطة أمر واقع، وتستخدم سلطتها لتعيد بناء مؤسسات الدولة، وعندما تنتهي هذه المرحلة تتنحى هذه المجموعة وتسلم السلطة للمؤسسات الجديدة .. المسألة الجوهرية هنا هي ضرورة معرفة طبيعة الواقع والتداعيات التي ستفرز هذه المجموعة وتؤدي لتسلمها للسلطة وتصور هذه المجموعة عن النظام الجديد.
إسقاط الظام بإنقلاب عسكري سيسلم السلطة بالضرورة لمجموعة الضباط الذين قادوه، أحيانا بشكل صريح وأحيانا أخرى بالتستر خلف واجهة مدنية .. المهم أن هؤلاء الضباط هم الذين يفرضون تصورهم للنظام الجديد وإجراءات بنائه، وتاريخ الإنقلابات يعطينا طيفا واسعا من الأهداف التي يمكن أن يتبناها الإنقلابيون، إبتداء من هدف إحتكار السلطة (قد تكون نواياهم من هذا الإحتكار طيبة، ولكن يظل ما يقيمونه نظاما ديكتاتوريا) وإنتهاءا بهدف بناء نظام ديموقراطي (ورحم الله عبد الرحمن سوار الذهب)، وبين الطرفين توجد مواقف عديدة تعتمد على أشكال من المشاركة بين العسكر والقوى السياسية بدرجات متفاوتة (النظام التركي قبل أردوجان كان واحدا منها) .. مهما كان تصور قادة الإنقلاب للنظام الجديد فإنهم سيتولون بأنفسهم قيادة المرحلة الإنتقالية ولو من وراء ستار، وسيفرضون تصورهم للنظام الجديد مهما كانت المسرحيات التي ستمثل على الناس .. لا معنى لأن يحاول المعارضون السياسيون صياغة تصورهم لليوم التالي للإنقلاب العسكري مهما كانت درجة حسن ظنهم بقادة الإنقلاب، فهم لا يملكون إلا قبول أو رفض (وأحيانا محاولة تعديل) صيغة المشاركة إن عرضت عليهم.
وقد يسقط النظام بثورة شعبية، ونجاح الثورة، بالتعريف، لا يكون إلا بأن تتسلم القيادة الثورية زمام الأمور مستندة إلى تأييد جماهيري كاسح وتستخدم سلطة الأمر الواقع، خارج المؤسسات التي قامت الثورة عليها، لإعادة تشكيل الأطر المؤسسية للدولة، القيادة اليسارية لثورة يسارية ستقوم ببناء نظام إشتراكي، والقيادة الليبرالية ستبني نظاما ليبراليا، والقيادة الإسلامية ستبني نظاما إسلاميا، وإذا لم تفعل فأنت تعرف الآن ما الذي سيحدث للثورة ولقيادتها .. ماذا لو كانت الجماهيرة منقسمة بين تيارات متعددة لا يملك أي منها بمفرده أن يقوم بتعبئة الجماهير خلفه للقيام بثورة تصطبغ بصبغته؟ .. في هذه الحالة لن تنجح الثورة إلا بالتحالف بين عدة قوى لكل منها توجهها السياسي الخاص .. هذه هي الحالة التي ينبغي فيها على قوى المعارضة أن تعقد العديد من إجتماعات التخطيط والتنسيق، وستعقد بالطبع في الخارج، فلا توجد سلطة تسمح لمعارضيها بعقد إجتماعات للتخطيط لإسقاطها .. لكن هناك شرطان يجب توافرهما (ضمن شروط أخرى بالطبع) كي تؤتي هذه الإجتماعات ثمارها، لم يتوفر هذان الشرطان لمؤتمر المعارضين المصريين، الأول هو يكون المجتمعون ممثلين لقوى تقوم بحراك فعلي على الأرض داخل الوطن، والثاني أن تبدا سلسلة الإجتماعات أولا بواحد تتفق فيه القوى على النظام الجديد الذي يقومون بالثورة لبنائه، قد يتفقوأ على صيغة يعتبرونها ديموقراطية محايدة تترك للشعب حرية إختيار الإتجاه الذي يرغب فيه (كإنتخاب هيئة تأسيسية تدير المرحلة الإنتقالية)، أو يتوافقوا على برنامج للحد الأدنى يمكنهم جميعا تبنيه وممارسة الحكم على أساسه إلى أن تستقر الأوضاع، وفي نهاية هذه السلسلة من الإجتماعات، بعد أن يكون المعارضون قد إتفقوا على النظام الذي يريدونه، والوسائل التي ستقوم بها الثورة، والطريقة التي سيحشدون بها الجماهير ويدفعونها للحركة، ويختارون القيادة التي ستكون رمزا للثورة والتي سيطلبون من الجماهير العمل على أن تتسلم السلطة، وغيرها من المسائل التي لا يمكن لعمل ثوري جاد أن يتجاهلها (لذلك تدرك لماذا نلتزم الصمت كلما سمعنا دعوة للنزول) بعد كل ذلك وليس قبل الإنتهاء منه، يمكن الكلام، على ضوء ما تم التوصل إليه، عن مهام المرحلة الإنتقالية.
لعل هذه المجموعة من المعارضين أرادت أن تلتقي لتوثيق العلاقات فيما بينهم وهم مشتتون في عدد من البلاد، ولا بأس بذلك، لكنه ليس خطوة على طريق التغيير، ولله الأمر من قبل ومن بعد.