منذ 1 شهور | 2620 مشاهدات
سواء كان ترامب ذاهب للحرب أم للمناورة على حافة الهاوية فهو لا يفعل ذلك لسواد عيون نتنياهو، فالدولة الأمريكية العميقة ونخبتها المسيطرة قد تترك للرئيس إختيار التوقيت وتفاصيل التنفيذ والإخراج المسرحي للحدث، لكنها لا تحرك الأساطيل إلا طبقا للإستراتيجية الكبرى، وإيران تمثل بالفعل شوكة في حلق الإستراتيجية الأمريكية لعدة عوامل ليس هذا مجال مناقشتها، لكنها ليست العدو الأكبر .. وأمريكا مستعدة بالطبع لتحمل تكلفة إخراج هذه الشوكة، بشرط ألا هذا يعرقل إستعداداتها للخطر الأكبر، أو يقلل من جاهزيتها للحرب العالمية.. هذه مقدمة ضرورية. إستمر الكلام عن قرب ضربة قاصمة لإيران لعدة أسابيع، وزادت حدته ببداية الإحتجاجات، وأخبر ترامب المحتجين المسلحين أن الدعم قادم وطلب منهم الإستيلاء على المؤسسات الحكومية، ثم تردد أن ساعة الصفر قد حانت وبدأ إجلاء الرعايا وغلق السفارات وتوقفت رحلات الطيران وأعادت إسرائيل فتح الملاجئ .. إلخ، وأكدت المصادر أن الضربة خلال ساعات .. وفجأة أعلن الرئيس الأمريكي أنه قد وصلته أنباء بتوقف إعدام المتمردين فسكن الوضع كأن الضربة كانت عقابا على الإعدامات، مع أن الكلام عنها بدأ قبل إشتعال المظاهرات بأسابيع !! ..
ما الذي حدث خلال الساعات الحاسمة وأدى لإيقاف العملية؟ .. ترددت عدة أسباب.
ما الذي حدث إذن؟
من الواضح أن الإحتجاجات كانت الجزء المحوري في الخطة، قادها تنظيم إيراني موالي للشاة الإبن، قام الموساد بتنظيمه وتمويله وتدريبه وتزويده بالسلاح ليكون هو القوات العاملة على الأرض للإستيلاء على المؤسسات والسيطرة على البلاد .. لم يخطط الجيش الأمريكي إذن لمعركة يدخلها مع الجيش الإيراني لهزيمته وإسقاط النظام، فمثل هذه الحرب تحتاج وقتا وتستنزف موارد أكبر مما يمكن لأمريكا تحمله وهي تستعد لحربها الكبرى مع روسيا والصين، اللتان ستدعمان المجهود الحربي الإيراني لزيادة التورط الأمريكي ومد أجله لتحجيم قدرتها على الإشتباك في أماكن أخرى .. أمريكا تعرف كل ذلك، وعليه فقد كان هدفها يقتصر على بضعة غارات جوية لدعم المتمردين .. هنا يأتي الأثر الحاسم لشل ستار لينك، فقد حرم تنظيم المتمردين من التواصل مع قيادته في الخارج والتنسيق بين أجنحته في الداخل، بالإضافة إلى أن النظام الإيراني قام بالقبض على 14000 من عناصر المتمردين ضمنهم كل الأسماء التي يمكن الإعتماد عليها في تسلم السلطة وإدارة البلاد بعد إنهيار نظام الملالي، فلم يعد للضربة القدرة على إسقاط النظام، وهي لن تكون سوى مبرر تستند إليه إيران لضرب المصالح الأمريكية والمواقع البترولية، بالإضافة لتوجيه ضربة موجعة لإسرائيل.
ماذا بعد؟
أعلنت إسرائيل ما يفهم منه بوضوح أنها إذا تلقت ضربة إيرانية قوية فتستخدم سلاحها النووي، هذا إقرار بعدم قدرتها على التصدي للرد الإيراني وأنها لا تملك إلا التهديد بالنووي لردع إيران عن ضربها من الأصل، أما أمريكا فأعلنت أنها سترسل حاملة طائرات إضافية إلى المنطقة لتوفر القوة النيرانية الكافية .. كافية لأي شيء؟ هل حاملتا طائرات ستوفران القدر الكافي من الرجال والعتاد لغزو بري (تذكر الحشد الدولي الذي إحتاجه غزو العراق)؟ .. وفي نفس الوقت أعلن بعض المتابعين أن كمية اليورانيوم الإيراني المخصب التي تم إنقاذها من الحرب السابقة تكفي لصناعة أكثر من 10 قنابل نووية، ولا يحتاج ذلك إلا لشهرين، وربما تكون إيران قد قامت بذلك بالفعل .. ما تأثير كل ذلك على توقعاتنا للمستقبل؟ لا نرغب في محاولة التخمين، لكن من المستبعد تماما أن تهدف أمريكا لإحتلال إيران، ربما تهدف لإغتيال كبار القادة فيضطر الباقون لتقديم التنازلات المطلوبة، لكن على الأرجح يناور ترامب للضغط على الملالي ليقدموا المطلوب بدون قتال .. ماذا لو رفض الإيرانيون الإنصياع ثم عجزت الضربة الأمريكية الأولى عن تحييد القدرات الصاروخية الإيرانية؟ أغلب المحللون العسكريون يذهبون إلى أن هذا إحتمال وارد وأن الرد الإيراني ساعتها سيكون كارثيا على أمريكا والمنطقة.
ليس من أهدافنا التنبؤ أهي حرب أم تهويش، ولا بنتائج الحرب إن وقعت، ما يهمنا هو ما أوضحته الوقائع: فقدت إسرائيل الثفة المفرطة في قدرتها على مواجهة القوة الإيرانية، والقرارات الأمريكية يسودها قدر لا بأس به من الإرتباك، وهي لم تعد قادرة على حشد العالم خلفها كما فعلت في العراق، ولا على تحريك الناتو معها كما فعلت في إفغانستان، وإيران لم تعد مجرد قوة إقليمية، بل صارت رأس الحربة التي يستخدمها القطب الصاعد لإستنزاف القطب النازل وتشتيت قواه .. المستقبل يحمل الكثير من الإحتمالات لزيادة تراجع النفوذ الأمريكي ولزيادة تهميش أهمية إسرائيل في تنفيذ الإستراتيجية الأمريكية، والله غالب على أمره.