منذ 7 سنة | 2153 مشاهدات
هذا ما قلناه منذ البداية .. الآن هم الذين يقولونها، دون أن يعتذروا عن مساندتهم للديكتاتور عديم الثقافة قليل الحيلة والمفتقر لأي خبرة في السياسة والاقتصاد .. لقد أفزعتهم المؤشرات الجلية الواضحة على الانهيار الاقتصادي الوشيك، كأن هذه المصيبة قد حلت فجأة نتيجة لكارثة طبيعية وليس بسبب سياسات يعرف كل الخبراء منذ البداية أنها لا تنتج إلا الخراب، لكننا الآن نخشى على مصرنا من خطر أكبر من مجرد إنهيار إقتصادي قد تتعافى منه إذا تدارك أهلها الأمر وعادوا إلى المسار السياسي المدني الديمقراطي الذي يتصدر فيه الأكفاء المخلصين .. الكارثة يمكن أن تكون أكبر من ذلك.
عندما أعلن في أحاديثة قبل انتخابات الرئاسة عن أفكاره الضحلة المضحكة لحلول المشاكل الاقتصادية (كاللمبات الموفرة وسيارات الخضار وما شابه ذلك من الغثاء الذي اعتبره خطته للتنمية) قلنا ارحمونا، أليس معه رجل رشيد يلقنه ما يقول؟ .. فعدل عن افتكاس الحلول وزعم أنه لن يقدم برنامجا لأن الذين استدعوه لم يقولوا له أن عليه أن يقدم برنامج، ولو كانوا اشترطوا حكاية البرنامج هذه لقبع في الجيش واستمر وزيرا للدفاع "لكن أنتم الذين استدعيتموني" .. والشيء المقزز هو أن أحدا منهم لم يقل له أن وجود البرنامج أمر ضروري لنجاح إدارة مشروع تجاري صغير، فكيف تزعم أنك ستدير أمة بدون برنامج .. ثم ها هم الآن يصرخون أن الوطن في خطر .. سفينة تسير بدون خريطة، إلى أين تتوقع أن تصل؟ إلى أول صخرة ترتطم بها فتغرق.
ولما بدأ الكلام عن المشاريع العملاقة الفنكوشية غير المدروسة وقلنا أن هذا إهدار للموارد قالوا أننا أعداء الأمل، وأن هذه المشاريع ضرورية لرفع الروح المعنوية وإخراج الناس من حالة الاحباط ليشعروا أنهم قادرون على الإنجاز .. وماذا عندما يكتشف الناس أنها مجرد فناكيش بدون مردود اقتصادي؟ .. ماذا سيفعلون وقد بدد الجهلاء ثروة مصر ودفنوها في ما لاطائل وراءه؟ فلا هم حققوا بها شيئا مفيدا ولا هم تركوها في أيدي الناس يستثمرونها بأنفسهم.
عندما انتهى مشروع التفريعة واتضح أن ما كنا نقوله من البداية كان صحيحا قالوا لنا كفوا عن الشماتة، فالمشروع قد أصبح أمرا واقعا وحدث ما حدث فلا تقلبوا المواجع، قلنا لا هي شماتة ولا تقليب للمواجع، فقط نريد أن نحذر من الاستمرار في العمل بنفس الطريقة حتى لا يتكرر مسلسل الفشل .. الآن نقول أننا بدأنا نستشعر الخطر على أمننا القومي، ترى هل سيصدقنا قومنا؟
لكن مم نخاف بالضبط؟ .. يعلمنا التاريخ أن الطغاة عندما تتأزم معهم الأمور وتلوح لهم مشارف نهايتهم يكونون على استعداد لفعل أي شيء لتأجيل هذه النهاية، وغالبا ما يكون هذا الشيء تنازلا كبيرا للأعداء حتى يساندوهم في محنتهم، والعدو لن يطلب أقل من تنازل يجعله قادرا على السيطرة والتأثير على قرارنا ومقدراتنا لعقود أو قرون تالية .. تنازل يتعلق بالسيادة أو بملكية الموارد العامة أو بهما معا (المثال الأشهر هو الضائقة المالية التي خنقوا بها الخديو اسماعيل حتى باع لهم حصة مصر من قناة السويس، ثم تقديم توفيق لمصر كلها هدية للإنجليز حتى ينقذ عرشه من الثورة العرابية، مفضلا حكم مصر تحت الاحتلال على أن تحصل مصر على حكم ديمقراطي حقيقي يحد من سلطاته) .. الطاغية عادة ما يفرط في الأمن القومي لبلده إذا ضاقت به السبل، هذه عبرة التاريخ، تاريخنا وتاريخ غيرنا.
ما هو التنازل الذي يمكن أن تقدمه السلطة في مصر اليوم ولمن؟ .. لا يمكننا التنبؤ على وجه التحديد، فهذه السلطة تلجأ الآن لعدد من الأعداء والطامعين تختلف طبيعة مصالحهم وما يريدونه منا (العدو الصهيوني، والقطب الأمريكي، وحليفه المتملل الاتحاد الأوروبي، وخصمهما القديم روسيا)، ونوع التنازل سيتوقف على الجهة التي ستكون مستعدة وقادرة على تثبيت أركان النظام ولو لفترة محدودة، لكن كلهم سيفرضون عليه ما يهدد أمننا القومي ويزيد من آصار التبعية التي نرزح تحتها بالفعل .. حمى الله مصر الغالية وألهم أبناءها سبل الرشاد.