منذ 7 سنة | 1954 مشاهدات
ركزنا في مقالنا السابق "نتائج توصيات الصندوق: لم ينجح أحد" على تجارب الدول التي استجابت لتوجيهات صندوق النقد ومؤسسات التمويل الدولية، فحررت تجارتها وفتحت أسواقها وسارت حسب توصيات الليبرالية الجديدة وما سمي بتوافق واشنطن، واتضح لنا أن المحصلة هي: لم ينجح أحد .. صحيح أن درجات الفاشلين تراوحت بين الفشل البسيط والفشل الكارثي، لكن دولة واحدة لم تتمكن من كسر طوق التخلف باتخاذ مسار كالذي يسميه إقتصاديينا "الإصلاح الإقتصادي"، حتى تلك التجارب التي بدأت بداية جيدة وحققت بعض النمو في الأعوام الأولى، سرعان ما انتكست خلال عقد واحد (المكسيك هي المثال الأشهر لكنه ليس المثال الوحيد)، وفي هذا المقال نعرض الوجه الآخر: كل الدول التي نجحت في الخروج من حالة التخلف فعلت ذلك بالمخالفة لتوجيهات الليبرالية الجديدة.
يشيد الإقتصاديون والصناعيون في كل أرجاء المعمورة بالمعجزة الآسيوية – كوريا الجنوبية وتايوان وماليزيا وسنغافورة وهونج كونج وتايلند وأندونيسيا، والهند والصين طبعا – معتبرين أنها دليل على جدارة نظام السوق وتحرير التجارة وانفتاح الأسواق في كسر طوق الفقر والتخلف .. لكن الواقع أنه لا توجد تلك الصلة التي يزعمونها بين الإزدهار الإقتصادي في هذه الدول وبين تلك الأفكار الليبرالية الجديدة.
فبغير استثناء طبقت كل هذه البلدان استراتيجية يستهجنها الإقتصادي الليبرالي استهجانا شديدا، انطوت على دعم مالي عظيم على كل مستويات الأنشطة الإقتصادية، فبعكس المكسيك التي تم نحرها على مجزرة المنافسة الدولية حتى أوشكت على إعلان إفلاسها، طورت هذه الدول الآسيوية أساليب للتنمية الموجهة حكوميا، فبالنسبة لهذه الدول لم يكن الإنفتاح على السوق العالمية هو الهدف، بل مجرد وسيلة لبلوغ أهدافها الخاصة، وبالتالي لم تتجه إليه إلا بتحفظ واضح وبعد تمحيص شديد إختارت خلاله القدر الذي تحتاجه، والأسلوب الذي يلائم ظروفها، والقطاعات الاقتصادية التي يمكن أن تستفيد من الانفتاح على الخارج.
ففي كل هذه البلدان اتبع الإنفتاح الإقتصادي ذات المبادئ التي اتبعتها اليابان لاستعاده مكانتها بعد الحرب العالمية الثانية، فالرسوم الجمركية المرتفعة والتعليمات الإدارية بشأن المواصفات والجودة والنواحي الفنية المختلفة صممت كي تعوق الإستيراد في كل القطاعات التي يرى المخططون أن الصناعة الوطنية فيها لا تزال غير قادرة على المنافسة الدولية ويتعين توفير قدر من الحماية لها، وعلى العكس من ذلك تشجع الحكومات بكل الوسائل – إبتداء من التسهيلات الضريبية وإنتهاء بتقديم الهياكل التحتية والمرافق بدون ثمن تقريبا – إنتاج السلع التصديرية (قارن هذا بإصرار هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة على تحقيق أرباح من بيع أراضي الصناعات خاصة الصغيرة منها، وكل ما تتفضل به على الصناعة هو تقليل هامش الربح عنه في أراضي الإسكان والمناطق التجارية)، وذلك وفق خطط ذكية تعمل على زيادة المكون المحلي في هذه السلع حتى تصل في النهاية إلى منتجات محلية الصنع صالحة للتصدير.
ولا يكتفي مهندسو التنمية الإقتصادية الآسيوية بالتدخل في توجيه تدفقات القروض الأجنبية قصيرة الأجل في أسواقهم، وإنما يضعون بالإضافة لذلك شروطا دقيقة للإستثمارات المباشرة التي تقوم بها الشركات متعددة الجنسيات، فماليزيا مثلا تراعي ضرورة أن تشارك الشركات الوطنية – العامة والخاصة – في فروع هذه الشركات بنيب تحددها الدولة، وذلك لضمان تلقي عدد متزايد من العمالة الوطنية الخبرات والمعارف الضرورية للتعامل في السوق العالمي، أضف إلى ذلك أن كل هذه الدول تنفق جزءا معتبرا من ميزانياتها على خلق نظام تعليمي جيد وقادر على رفع المستوى العلمي والفني لمواطنيها.
وفي كل الحالات التي لا تكفي فيها هذه الإجراءات تعقد الدولة إتفاقات إضافية بشأن الحصول على التراخيص وبراءات الإختراع لتضمن نقل التكنولوجيا، بالإضافة إلى أنها تصر على أن يكون للمنتجين المحليين نسبة معتبرة من مكونات إنتاج السلع المعدة للتصدير للسوق العالمية (قارن هذا بخطوط الإنتاج عندنا التي تكاد تكون مجرد تجميع لقطع قادمة من الشركة الأم لا يمثل فيها المنتج المحلي إلا ببعض المدخلات الهامشية)، حتى تضمن بقاء نسبة من الأرباح المتحققة داخل السوق الوطني لتساعد في تمويل مشروعات التنمية، على سبيل المثال أصرت ماليزيا في اتفاقيتها مع شركة ميتسيوبيشي لإنتاج السيارة "بروتون" أن يتم تصينع 70% على الأقل من أجزاء السيارة داخل ماليزيا، ونفس المبدأ طبقته أندونيسيا مع شركتين كوريتين للسيارات، وذلك بالرغم من كل الإحتجاجات التي قدمتها شركات السيارات الكبرى في دول منظمة التنمية والتعاون الإقتصادي.
إن كل هذه الخطوات، وغيرها، وضعت لخدمة الهدف الرئيسي، وهو أن تظل حكومات هذه الدول هي صاحبة السيادة على إقتصادها الوطني لتضمن أن الرأسمال الوطني والأجنبي يعمل على تحقيق الأهداف التي تضعها السلطة السياسية، ومن لا يرغب في العمل على هدى هذه الأهداف لا يسمح له بالعمل داخل الوطن.
صحيح أن كل بلدان آسيا التي حققت الآن تنمية ملحوظة قد بدأت إنطلاقتها بإنتاج مدخلات صناعية للشركات متعددة الجنسيات، أي أن منتجيها المحليين قد عملوا لفترة كورش ثانوية لهذه الشركات، إلا أن المسئولين الحكوميين لم ينسوا أبدا هدف حماية إقتصادهم الوطني وتعزيز عوامل نموه وإزدهاره والعمل على تأمين تمويل استثمارات التنمية المحلية من عوائد ما تصدره فروع الشركات متعددة الجنسيات، وخطوة خطوة خلقوا لأنفسهم مشروعاتهم الوطنية التي تخضع عادة للسيطرة الحكومية والخاصة مناصفة، وهذه المشروعات بدأت تحتل الآن مكانتها في السوق العالمية، فنسمع عن "هيونداي" و"سامسونج" الكوريتين، و"سيم واربي" الماليزية، وغيرهما في دول أخرى، وقد باتت اليوم هذه الشركات نفسها شركات عالمية متعددة الجنسيات.
خلاصة القول أن إنفتاح الإقتصادي الوطني على الإقتصاد العالمي والإستفادة من إمكانياته لا يتطلب بالضرورة الخضوع لوصفه "الليبرالية الجديدة" التي وضعتها شروط صندوق النقد والبنك الدولي، ففي حين تدعو البلدان الغربية المتقدمة إلى ضرورة تراجع دور الدولة وإعطاء أوسع مجال للسوق الحرة، طبقت البلدان التي نجحت في إقتحام فجوة التخلف أسلوب هو العكس من ذلك تماما، ومن الجدير بالملاحظة أن قادة المؤسسات الإقتصادية الغربية أنفسهم، الذين يرفضون في الولايات المتحدة وألمانيا وإنجلترا مثلا كل أنواع التدخل الحكومي في قراراتهم الإستثمارية رفضا قاطعا .. نعم هم أنفسهم .. يضخون في آسيا استثمارات بالمليارات بالشروط التي تضعها الحكومات الوطنية، والتي لا تجد أي حرج في أن تسمى ما تفعله بأنه تدخل من الدولة بالتخطيط لتوجيه التنمية .. فالأرباح التي تحققها الشركات الغربية من العمل في تلك الإقتصادات الواعدة تنسيها كل التحفظات الأيديولوجية والأفكار الليبرالية الجديدة.
سنحاول في مقالات تالية أن نعرض بإذن الله نماذج للأساليب المتنوعة التي اتبعتها دول آسيا حديثة النمو، المهم أن نؤكد هنا أنها كلها اتفقت في أن الدولة هي التي قادت وخططت للتنمية، وأنها اعتمدت على دور هام للقطاع العام للعمل في المجالات التي لم تكن المبادرات الفردية للقطاع الخاص قادرة على تحمل مسئوليتها.
**
مشاكل مواطني الدول الغنية مع العولمة
قد يخرج القارئ من الفقرات السابقة بإنطباع أن العولمة الإقتصادية تنحاز لمواطني الدول المتقدمة على حساب مواطني الدول المتخلفة .. إن هذا الإنطباع غير دقيق، وسنرى في المبحث التالي لمن تنحاز العولمة حقا .. فنسبة لا بأس بها من الدول المتقدمة باتت تستشعر بدورها خطر العولمة على مستوى معيشة مواطنيها الذي بدأ في الإنحدار الحقيقي .. وتتردد من بعض الإقتصاديين الغربيين عبارات تدق ناقوس الخطر محذرة من الوضع في بلادهم وأن"إبعاد الدولة عن التدخل في الحياة الإقتصادية وتجاهل البعد الإجتماعي تحت دعوى أن السوق ينظم نفسه بنفسه" إن هي إلا أوهام ستبدد الإستقرار الإجتماعي الذي عرفته الدول الرأسمالية الصناعية في ظل دولة الرفاهية .. إن الديمقراطية الحقة لا تمارس إلا عندما يكون الناس في مأمن من غوائل الفقر والمرض والبطالة .. هذا الكلام يقال في دول مثل ألمانيا وفرنسا.
صحيح أن حرية التجارة الدولية وتكامل الأسواق عالميا وضمان حرية تنقل رؤوس الأموال دون حواجز من شأنها أن تزيد فعلا الدخول القومية الإجمالية للبلدان المتقدمة، إلا أن توزيع هذه المكاسب لإشراك غالبية المواطنين فيها لا يمكن أن يتم بدون تدخل من الدولة، وإلا فإن عدد الخاسرين حتى في الدول المتقدمة سيكون أكبر من عدد الرابحين.
لم تعد الحكومات المنتخبة ديمقراطيا في الدول الرأسمالية الكبرى قادرة على أن تحدد بحرية مستوى الضرائب التي تفرضها كي تستطيع القيام بالتزاماتها وتغطي تكاليف برامج دولة الرفاهية .. فالقائمون على إدارة مؤسسات المال والأعمال فيها أصبحوا يملكون أدوات للضغط مهددين بالإنسحاب إلى دول تفرض عليهم ضرائب أقل (ومستوى الأجور فيها أدنى)، وتضطر الدول المتقدمة أيضا التضحية ببعض مزايا دولة الرفاهية لتحتفظ بمستثمريها عندها.
وتعاني الدول الصناعية المتقدمة أيضا من تفاقم مشكلة البطالة، كما تتراجع باستمرار الدخول الحقيقية لغالبية العاملين فيها، في الوقت الذي تزداد فيه دخول وثروات الطبقات العليا، يرجع هذا جزئيا إلى نقل كثير من الشركات الكبرى لجزء من خطوط إنتاجها إلى البلدان النامية حيث تتوافر أيدي عامله أرخص وأسواق واسعة، لكن يبدو واضحا أن تغير نمط تصرف أصحاب الثروات في ثرواتهم يلعب دورا ملحوظا في هذه الظاهرة.
فالليبرالية الإقتصادية كانت تنظر تقليديا إلى التفاوت في الدخول باعتباره أمرا مفيدا، فأصحاب الدخول الصغيرة والمتوسطة ينفقون كل دخولهم أو معظمها على حاجاتهم المعيشية، أما أصحاب الدخول العالية فمهما كان إنفاقهم الإستهلاكي مرتفعا فسيبقى لديهم دائما فائض كبير يستخدموه في زيادة القدرة الإنتاجية، فأصحاب المشروعات يتوسعون في مشروعاتهم، وأصحاب الدخول الريعية (من إيجار العقارات أو أرباح الأسهم .. الخ) يضعون فائض دخولهم في البنوك لتكون متاحة للإستثمار في المشروعات الإنتاجية .. لكن التطور الجديد بعد عولمة سوق رأس المال أدى إلى أن جزءا كبيرا من الفوائض الهائلة من أموال الأثرياء أصبح يستخدم في تمويل عمليات المضاربة في أسواق رأس المال والنقد[1]، والمضاربة، بعكس المشروعات الإنتاجية، لا توفر فرص عمل ولا تقدم أي دخول للطبقات الدنيا.
**
عولمة النخبة المالية
ما يحدث الآن في الأسواق النقدية والمالية هو النتيجة الطبيعية والمنطقية للسياسات الليبرالية الجديدة التي شجعتها حكومات الدول الصناعية الكبرى تحت ما سمي "تحرير الأسواق المالية والنقدية"، وهي العمليات التي سرعان ما أجبر صندوق النقد الدولي أغلب دول العالم على تطبيقها ، بإطلاق سعر صرف عملتها وإنفتاحها التام على السوق المالي العالمي، ومع أن هذا الإنفتاح زاد من حجم الإنتاج الإجمالي، إلا أنه يجبر الدول، كل الدول، على الدخول في منافسة لتخفيض الضرائب وتقليص الإنفاق الحكومي وخصخصة مشروعات الدولة والتضحية ببرامج الرعاية الإجتماعية ودعم الفقراء، والدولة التي لا تستجيب ستدفع الثمن، ليس فقط من عجزها عن جذب الإستثمارات الأجنبية، فالأسوأ هو أن أصحاب رؤوس الأموال المحليين سينقلون هم أيضا ثرواتهم التي حققوها داخل الوطن إلى بلدان أخرى تقدم لهم تسيهلات أكبر[2].
لقد أصبح الوضع الآن هو أن أقل من 300 شخص فقط حول العالم يملكون ثروات بحجم ما يملكه النصف الفقير من سكان الكرة الأرضية (حوالي 3 مليار نسمة)، وهؤلاء لا يدخلون في منافسة حقيقية مع بعضهم في أغلب الأحوال، فإذا رجعت إلى المثال الذي ضربناه للمضاربين الذين هاجموا عملات دول السوق الأوروبية المشتركة بعد توحيد شطري ألمانيا ستلاحظ أن قدرتهم على تحقيق أهدافهم إنما نجمت عن تكاتفهم جميعا لتحقيق هدف مشترك ، ثم ينتقلون بشكل جماعي إلى هدف آخر، وقلما نجدهم يعملون منفردين أو في منافسة مع بعضهم.
لم يعد من الممكن لدولة وحيدة أن تواجه هذه الضغوط بشكل منفرد .. تذكر هذا جيدا عندما تفكر في اختيار مسار التنمية .. إن إستعادة العدالة الإجتماعية والأهداف الإنسانية للتنمية لا يمكن أن تتحقق إلا إذا عزمت مجموعة من الدول تمتلك فيما بينها تكاملا إقتصاديا وتعاضدا سياسيا على العمل معا لإتخاذ موقف حاسم لصالح غالبية مواطنيها.
* * * * *
[1]تضع الصناديق المالية العاملة في المضاربة في سوق رأس المال العالمي أيديها على كم هائل من مليارات الدولارات، وإذا كان أسلوبها في تحقيق الربح قد يوقع أضرارا بليغة بالدول التي تضارب على عملاتها فإنها في الواقع لا تقصد إلى إيقاع هذا الضرر، فكل ما يهمها هو الربح الذي تحققه عمليات المضاربة، وهي لا تقتصر على مهاجمة عملات الدول النامية وحدها، فالدول الكبرى تتعرض أيضا للهجوم إذا سنحت فرصة للربح، وثمة قصة شهيرة تستحق أن تروى ليدرك القارئ طبيعة عمل المضاربين ونتائج عملهم .
في إطار خطوات الوحدة الأوروبية أتفقت الحكومات على ربط عملات دول السوق الأوروبية المشتركة ببعضها كخطوة ضرورية لتشجيع تكامل الأسواق الأوروبية وتوحدها، ذلك أن تذبذب أسعار صرف العملات المختلفة بالنسبة لبعضها يمثل واحد من المخاطر للمتعاملين، ولإلغاء هذه المخاطر وتشجيع الأعمال المشتركة تم الإتفاق على أن تتعهد البنوك المركزية للدول الأوروبية بأن تحول عملات بلادها إلى المارك الألماني بسعر ثابت طول الوقت ولأي كمية، ولما كان الإقتصاد الألماني يتمتع بالقوة والإستقرار فقد كان المارك الألماني عملة مقبولة للجميع .. هذه الترتيبات تحمل المارك الألماني بقدر من المسئولية عن استقرار السوق الأوروبية المشتركة ولكنه كان أهلا لها.
لكن بعد إنهيار سور برلين وإتمام وحدة شطري ألمانيا وتوحيد عملتيهما، صار على الحكومة الموحدة أن تعمل بسرعة على تنمية إقتصاد الشطر الشرقي المتخلف نسبيا لضمان استقرار الدولة الموحدة ، فاضطرت الحكومة الألمانية للتوسع في الإقتراض من أسواق رأس المال كي تتمكن من تحسين البنية التحتية في الشطر الألماني وتطوير مشروعاته الصناعية المتهالكة والمتخلفة تكنولوجيا، وإتفقت كل التحليلات الإقتصادية على أن هذا الإجراء سيدخل الإقتصاد الألماني في مرحلة حرجة ستمتد لفترة تترواح من 3 الى 5 سنوات، وبسرعة إشتم المضاربون فرصة الربح .
كان عليهم البحث عن دولة تكون القوة الشرائية الحيقيقية لعملتها أقل من سعر التحويل الثابت إلى المارك الألماني، وفي نفس الوقت تكون إحتياطياتها من المارك قليلة نسبيا ، ووجدوا ضالتهم في إنجلترا .
كانت الخطة بسيطة وواضحة ولا تحتاج لأي تواطؤ مما يجرمه القانون، يكفي أن تنشر الدوريات المالية المتخصصة ملامحها ليفهم كل المضاربون الإتجاه الذي ينبغي عليهم أن يسيروا فيه كلهم ليحقق الجميع أرباحا خيالية .. يقوم المضارب الذي يملك مركزا ماليا قويا بما لدية من مليارات طائلة، باقتراض مبالغ مهولة من الجنيه الإسترليني من البنوك الإنجليزية – على دفعات طبعا –ثم يطلب تغييرها إلى مارك ألماني، وستقوم البنوك الإنجليزية بمطالبة البنك المركزي بهذه المبالغ، وسيدفعها بالطبع حسب التعهد السابق .. تآكل الإحتياطي الإنجليزي من المارك بسرعة وسارع بنك إنجلترا يطالب البنك المركزي الألماني بقروض لتغطية الطلب عنده، وبدأت ألمانيا بالوفاء بتعهداتها، لكن هذا – كما توقع الجميع – لم يستمر طويلا، فالإقتصاد الألماني ليس في أحسن أحواله .. وفي أسابيع قليلة اضطر البنك المركزي الإنجليزي لتخفيض سعر صرف الإسترليني في مواجهة المارك ليقترب به من قوته الشرائية الحقيقية .. وصلنا لنهاية القصة: قام المضاربون باستخدام ما كانوا يخزنونه من المارك بشراء الإسترليني بالسعر الأرخص وسددوا الفروض وفوائدها محققين بذلك أرباحا طائلة، فجورج سورس (الذي قاد في وقت لاحق الهجوم على العملة الماليزية مما أدى إلى تراجعها بحوالي 40 %) حقق وحده أرباحا تجاوزت مليار دولار في أسابيع قليلة .
واستمر المضاربون في استغلال أزمة المارك الألماني في مهاجمة عملات أوروبية أخرى ، وكرروا اللعبة في إيطاليا وأسبانيا ثم السويد وأيرلندا مسببين بذلك بلبلة شديدة في السوق الأوروبية المشتركة وخسائر إقتصادية ضخمة .. لكنهم حققوا أرباحا خيالية.
[2]هذه مشكلة عويصة عندما تحاول التخطيط للتنمية من خلال آليات السوق الحر، فلا شيء يضمن لك أن التضحيات التي ستطالب مواطنيك بتحملها في سبيل توفير البنية التحتية للصناعة سيمكن لك أن تقدم بعض ثمارها لهؤلاء المواطنين .. لقد كانت الفكرة هي أن نتقشف حتى يمكن للصناعة أن تنمو، وبعدها يمكن الإعتماد على هذه الصناعة بإستقطاع جزء من أرباحها لتمويل التعليم العام والصحة .. إلخ ، لكنك إذا حاولت ذلك ستفاجأ بأن هذه الصناعات تنسحب من عندك بأرباحها لتتجه إلى دولة أخرى تحاول جذبها .