منذ 4 ساعات | 177 مشاهدات
في سياق الحديث عن الجرائم التي إرتكبها الحوثيون في معاركهم للإستيلاء على السلطة (وعلى الأخص تدمير عدد من المساجد ومراكز تحفيظ القرآن وإغتيال عدد من العلماء وقيادات السنة وإختطاف آخرين) يسأل المحاور عن أسباب هذه الجرائم فيجيب الشيخ الددو: "لأن هذه هي التي تحافظ على الدين الذي غزوه وأرادوا إذلال أهله وإهانتهم والقضاء عليهم .." .. هذه العبارة تحتاج للوقوف عندها طويلا.
قد تكون هناك مبالغة في حجم هذه الجرائم أو لا تكون، لكن الثابت أن هناك جرائم قد إرتكبت في حق السنة خلال العمليات القتالية، وهي جرائم لا يمكن تجاهلها والسكوت عليها، لكن تفسيرها بأن شيعة اليمن قاموا بغزو مناطق السنة بهدف إذلالهم وإهانتهم والقضاء عليهم فيه مجازفة، ولا ينبغي قبوله بغير تمحيص حتى نتمكن من فهم الوضع على حقيقته وإتخاذ الموقف المناسب منه .. علينا النظر في تاريخ العلاقة بين الزيدية والسنة في اليمن في ماضيهم القريب، ومعرفة سلوك القيادة الحوثية في الوقت الحاضر بعد أن تم لهم السيطرة على مناطق يقطنها 80% من اليمنين أغلبهم من أهل السنة حتى نتبين هل كانوا حقا يهدفون لإذلال السنة والقضاء عليهم أم كان لهم أهداف مختلفة في سياق الصراع على السلطة .. لا يمكنك المسارعة إلى إسقاط ما فعله الصفويون عندما حولوا الفرس السنة إلى شيعة على الحالة اليمنية بدون أدلة كافية.
منذ غادرت القوات العثمانية اليمن عام 1918 خضعت البلاد لحكم أسرة حميد الدين الزيدية، ولم تكن هذه مجرد سلطة سياسية كما كان الحال إبان حكم علي عبد الله صالح الذي كان زيديا بدوره لكنه إعتمد على تحالفات قبلية وسياسية واسعة شملت مختلف المكونات والمذاهب في اليمن، وأسس حكمه على البراجماتية السياسية وتوازنات القوى دون الإلتزام بخط مذهبي أو أيديولوجي معين، فقد إعتبر المؤسس، يحيى حميد الدين، نفسه إماما زيديا يستمد شرعيته من المذهب، ومع ذلك لا تلمس خلال فترة حكم أئمة آل حميد الدين الذي إمتد إلى أن أسقطه إنقلاب عبد الله السلال في 1962 أي محاولة لتغيير التركيبة السكانية أو التأثير على عقائد السنة والضغط عليهم لتغيير مذهبهم، ناهيك عن الكلام عن رغبة الزيدية في إذلال السنة وإهانتهم والقضاء عليهم، رغم الطبيعة الإستبداية لهذا الحكم.
ولننظر اليوم إلى حال جماعة أنصار الله (التي إشتهرت بالحوثيين) بعد أن إستقرت سلطتها لعقد كامل، والتي يريد الشيخ الددو تعبئة المسلمين لقتالهم كفريضة شرعية وجهاد في سبيل الله دفاعا عن لإسلام.
القيادة العليا للحركة هي من قبيلة الحوثيين الذين ينتمون لفصيل الجارودية، وهو أكثر فصائل الزيدية إبتعادا عن مذاهب أهل السنة، ومع ذلك لا يمكنك أن تصف الصراع الدائر الآن على أنه بين الشيعة والسنة، فالغالبية الساحقة من الزيدية في اليمن لا ينتمون عقائديا لمذهب جماعة الحوثي، بل أن هناك تيارات زيدية تقليدية على خصومة عقائدية أو سياسية معهم، أما قيادات الحركة في مستوياتها المختلفة فغالبيتها من الزيدية الهادوية ( وبعضهم ينتمي لقبائل سنية)، والهادوية مذهب معتدل يقترب كثيرا من مذاهب أهل السنة (وفقههم يقترب من مذهب أبي حنيفة)، حتى يصفهم البعض بأنهم سنة الشيعة أو شيعة السنة، أما القاعدة الشعبية والمقاتلون في الجبهات المختلفة والكوادر الإدارية المدنية في المناطق التابعة لسلطة أنصار الله فتضم أعدادا هائلة من أبناء المذهب الشافعي (المذهب الغالب على سنة اليمن)، فمنذ خروج حركة الحوثيين من معقلها التاريخي في صعدة وتمددها إلى صنعاء والمحافظات الوسطى والغربية ذات الغالبية الشافعية إستقطبت أفرادا وجماعات سنية، سواء عبر التحالفات القبلية، او بإنضمام شخصيات سنية ممن قبلوا بالخطاب السياسي والمسار العسكري للحركة، أو من خلال الإستقطاب الوظيفي والعمل الإداري، أو حتى بدوافع مصلحية إنتهازية .. المهم أن جماعة أنصار الله لم تعد اليوم جماعة حوثية جارودية، ولا حتى زيدية، بل جماعة يمنية.
أما إذا أردت أن تنزع الشرعية عن سلطة الحوثيين في المناطق التي يحكمونها على أساس أنها مجموعة قبلية حازت السلطة بالقوة فسيكون عليك أن تنزع السلطة عن كل النظم الخليجية، بل عن أغلب النظم في الدول الإسلامية، وبالذات عن نظام آل سعود الذين وصفهم محمد بن سلمان نفسه بأنهم قبيلة قاتلت في سبيل الحكم وإنتصرت.
ملحوظة هامة: نحن فعلا لا نعترف بمشروعة الطرق التي وصل بها هؤلاء جميعا، بمن فيهم الحوثيون، للسلطة، ونراها كلها سلطة أمر واقع نخضع لها إلى أن نتمكن من الوصول إلى الحالة التي يمكن فيها للأمة أن تختار حكامها بحرية على اساس من الشورى، ما نأخذه على الشيخ هو أنه يريد تسويغ قتال الحوثيين على أساس طائفي، وأحيانا يكتفي بإعطائهم حكم الصائل ليبرر القتال، بينما يغض الطرف عن مشروعية النظم التي إنبرت لقتالهم، وعن دوافعهم لهذا القتال، كأنهم يتحركون دفاعا عن الإسلام.