منذ 4 ايام | 841 مشاهدات
لماذا يتخبط ترامب بهذه الطريقة؟ .. أين ذهبت مؤسسات صنع القرار التي إتسمت غالبا بالعقلانية والموضوعية والذكاء والتي عملت على دعم وترشيد قرارات الرئاسات المتعاقبة لتصبح أمريكا هي القوة الأعظم؟ .. أمقت أهدافها وأحتقر قيمها لكني معجب بكفاءتها في إنجاز ما تريد إنجازه .. هذا لا يعني أن أمريكا لا تخطئ، فبجوار الإنجازات الكبيرة التي صنعت الإمبراطورية كانت الإخفاقات الواضحة في كوريا وفيتنام والعراق وإفغانستان، وغيرها أقل وضوحا، لكنها لم ترتكب أبدا هذا القدر من الأخطاء الكاريكاتورية الفجة التي نراها اليوم .. ماذا حدث؟
دعنا أولا نستعرض بسرعة الآليات التي إعتمدت عليها الإدارات الأمريكية في إتخاذ قراراتها الإجرائية لتنفيذ إسترتيجيتها العليا، ولن نتعرض لهذه الأخيرة لأنهل تخرج عن موضوع المقال.
يضم ما يسمى بمجتمع المخابرات الأمريكي 18 جهازا مختلفا (العمل المخابراتي الحقيقي يختلف عن ما نراه في أفلام جيمس بوند) تقوم بجمع المعلومات وعمل التحليلات وتقدير المواقف ودراسة الإحتمالات والمخاطر .. إلخ، بعضها وكالات مستقلة مثل CIA أو وكالات تابعة لوزارة الدفاع (DIA,NSA) وبعضها إدارات إستخباراتية داخل وزارات مدنية، مثل مكتب الإستخبارات بوزارة الخارجية ومكتب التحقيقات الفيدرالية التابع لوزارة العدل FBI، وكل جهاز يجمع المعلومات بإستخدام الأدوات المناسبة لمجال عمله (التجسس الإلكتروني – التصوير الفضائي – الإتصال الشخصي وتجنيد العملاء – التحليل الدبلوماسي .. إلخ)، ثم يقوم بدراستها وتحليلها ليقدم تقديره للموقف، وتصب التقارير في "مكتب مدير المخابرات الوطنية" ليقوم بعمليات الدمج والتكامل، ويتبع لهذا المكتب هيئة تسمى "مجلس الإستخبارات الوطني" تضم كبار المحللين والخبراء في شتى المجالات، ليتولى صياغة التقارير النهائية.
يتلقى الرئيس يوميا تقريرا موجزا عن مستجدات الأمن القومي وأهم تقديرات المواقف العملياتية والتاكتيكية، وفي أحيان كثيره يعرضه شفاهة فريق متخصص يكون مستعدا لمناقشة التفاصيل مع الرئيس، كما يقدم المجلس تقارير لتقدير المواقف الإستراتيجية المهمة حول الأزمات المعقدة والإتجاهات طويلة المدى (مثل تقييم القدرات النووية لدولة ما أو التداعيات المحتملة لصراع إقليمي محتدم)، وهذه التقارير يستغرق إعدادها أسابيع أو شهور عديدة من التنسيق بين الإجهزة ال 18 والإستعانة بدراسات مراكز الأبحاث المعنية، وترفع التقارير للرئيس وأعضاء مجلس الأمن القومي.
وعند وقوع أزمة طارئة يستدعى مدير المخابرات الوطنية ومدير المخابرات المركزية إلى غرفة العمليات بالبيت الأبيض لتقديم تقرير شفهي ومناقشة جوانب الأزمة مع الرئيس ومعاونيه.
عندما تختلف تقديرات الأجهزة حول قضية معينة فإن نظام التحليل الإستخباراتي الأمريكي ملزم بتقديم "التحليل البديل" للرئيس، فيحتوي متن التقرير على السيناريو الذي تتفق عليه الغالبية ويوضع الرأي الآخر في هامش يوضح رأي الجهاز المختلف ومستوى ثقته في المعلومات التي بنى عليها تقديره والأسباب المنطقية التي جعلته يختلف مع باقي الأجهزة .. بهذه الطريقة يتم وضع الرئيس في أوسع صورة ممكنة للوضع.
المهم أن هذه الأجهزة تقدم المعلومات والتحليلات والبدائل والمخاطر المحتملة .. إلخ، لكنها لا تتخذ القرار، فهذه سلطة الرئيس، هو الذي يتولى تقييم المخاطر السياسية والموائمات الدولية وغيرها من العوامل بناء على المعلومات المطروحة .. هذه الآلية قادت الإدارات المتعاقبة لإتخاذ قرارات كانت أقرب إلى الموضوعية والإتساق وحملت أكبر الإحتمالات لأن تكون صائبة من وجهة نظر المصالح الأمريكية .. لماذا قرارات ترامب لا تتصف بهذه الصفات؟
يحمل ترامب شكوكا متأصلة في قيمة التقديرات التي تقدمها الأجهزة الرسمية، ويكرر القول بأن هذه التقديرات هي التي إستدرجت أمريكا لإتخاذ مواقف إستنزفتها دون جدوى (من وجهة نظر ترامب) في أوروبا والشرق الأوسط، لذلك يفضل الإعتماد على قراءته الخاصة لشخصيات الزعماء وعلى الإتصالات المباشرة التي يجريها معهم، مراهنا على مواهبه وقدراته الشخصية على إدارة الأزمات وعقد الصفقات، متجاوزا لتحليلات الأجهزة المتخصصة التي يراها بطيئة ومعقدة ومفرطة في الحذر، وهو يتجاهل التقارير أو يرفضها علنا إذا كانت تخالف توجهاته ونزوعه السياسي أو رؤيته العامة.
يصفه معاونوه – على سبيل المدح [!![ - بأنه يتخذ قراراته بأسلوب فردي يرفض الإرتهان للتقديرات القائمة على أساليب التفكير النمطي المنظم التي تقدمها الأجهزة المتخصصة، ويعتمد على المناورة والتهويش ويوظف الغموض ويعمل على إبقاء خيارات التفاوض والتراجع مفتوحة دائما وفق مقتضيات اللحظة .. هذه الطريقة في الإدارة قد تفلح في منشأة فردية إذا تمتع صاحبها بالمواهب الفطرية الضرورية، لكني وجدت كل خبراء الإدارة الإستراتيجية الذين تابعت أفكارهم لمدة نصف قرن، بحكم التخصص، يرون في طريقة الإدارة الفردية المعتمدة على الخبرة والبداهة وصفة للفشل عندما يتعلق الأمر بشركة كبيرة متعددة الجنسيات تمارس عملها على مستوى دولي في عدد من البيئات المختلفة، ناهيك عن إدارة دولة عظمى .. كيف يصل مثل هذا الرجل لرئاسة أمريكا؟ .. كثير من الخبراء يعتبرونها واحدة من تجليات أزمة الديموقراطية في إمبراطورية تعاني من تراجع قدرتها على الهيمنة .. وقد وجدته أكثر التفسيرات إقناعا، سأعرضة بتفصيل أكبر في المقال القادم بإذن الله، ولله الأمر من قبل ومن بعد.