2- فعلها مجددا .. ترامب يوقف الضربات الثانية

منذ 1 اسابيع | 1207 مشاهدات

هل تريد أن تعرف لماذا أوقف ترامب الضربات الجوية بعد أن عاد إليها؟ .. هل تعرف لماذا عاد إليها من الأصل كي تحاول معرفة لماذا أوقفها ؟

لقد حاول الكثيرون تقديم تفسير لما قد يكون أسبابا لعودة ترامب لضرب إيران .. النتيجة التي وصلت إليها هي أن ترامب لم يستطع أن يقف ساكنا بينما الجميع تقريبا يقولون أن الإتفاق الإطاري هو إنتصار إيراني .. لابد أن يفعل شيئا، وهذا هو العمل الوحيد المتاح له .. ربما تجد هذا إستنتاجا غريبا، إذن دعنا نستعرض بسرعة ما قدم من تفسيرات لعلنا نجد شيئا آخر.

أول ما قدم من التفسيرات هو: الهدف هو إسكات المواقع الإيرانية القريبة من المضيق والتي تقصف السفن وتمنعها من المرور .. لكن المحللون لاحظوا أن أغلب الإستحكامات وملاجئ القوارب السريعة توجد في أنفاق تحت الجبال ولن يمكن للغارات أن تدمرها بالكامل، ولو كان هذا ممكنا لإستمرت الغارات الأولى إلى أن تحققه، الواقع هو أنه مهما كانت قوة القصف الجوي فستظل لإيران القدرة على زرع الألغام وقصف السفن التي تحاول المرور، فعدلوا التفسير ليصبح الهدف هو تطهير عدة مواقع على الأرض ليتم إنزال قوات برية تقوم هي بتدمير الإستحكامات، لكن الخبراء العسكريين أوضحوا أن الأمريكيين سيتكبدوا خسائر كبيرة في الأرواح خلال الإنزال ثم خسائر أكبر في المعارك البرية قبل أن يتمكنوا من الإستيلاء على المواقع الإيرانية، ولو تمكنت القوات من إحتلال هذه الواقع فإن التمسك بها والبقاء فيها لن يكون مسألة آمنة، فهي ستمثل هدفا ثابتا يظل الإيرانيون يهاجمونه بإستمرار .. عدد من العسكريين الأمريكيين السابقين (عادة يستقون معلوماتهم من زملائهم في البنتاجون) أبدوا فزعهم من هذا السيناريو، وتابعهم عدد من أعضاء الكونجرس، فخسائره ستتجاوز بكثير خسائر أمريكا في العراق وأفغانستان مجتمعتين، وسينتهي بكارثة، فالصين وروسيا ستستخدمان هذا الوضع لإستنزاف أمريكا كما يستخدم الغرب حرب أوكرانيا لإستنزاف روسيا، والأخطر من ذلك من وجهة نظر هؤلاء الخبراء هو أن أمريكا ستخسر الشرق الأوسط كله .. كما أن هذه العملية لا يمكن إتمامها خلال ثلاثة أشهر، أي أن إنتخابات الكونجرس النصفية في نوفمبر ستتم بينما يستقبل الأمريكيون نعوش جنودهم القتلى .. لا يمكن لترامب أن يجازف بهذا السيناريو الذي هو وصفة ممتازة لخسارة كارثية للجمهوريين في الإنتخابات (ذكرنا توابع هذه الخسارة في المقال السابق)، لا يمكن أن تكون هذه هي خطة الموجة الثانية، ماذا كانت الخطة إذن؟

المحللون الذين يريدون أن يجدوا عقلانية في سلوك الإدارة الأمريكية إستنتجوا أن ترامب لا يريد فتح المضيق بالقوة (بعد أن تبينوا أن هذا سيكون هدفا غبيا) وإنما هو يريد إيلام إيران إيلاما شديدا يشعرها أن تكلفة غلق المضيق تتجاوز قدرتها على الإحتمال، لذلك لن يكتفي بضرب المواقع العسكرية، بل سيعمد لإلحاق دمار شديد بالبنية التحتية الإيرانية (الطرق والجسور والمرافق الحيوية والمطارات ومنشآت الطاقة .. إلخ) بحيث تضطر صاغرة للقبول بشروطه وبسرعة.

أعلن الإيرانيون أنهم لن يقفوا مكتوفي الأيدي في مواجهة هذا السيناريو الأخير .. فقد صرحت القيادات في عدة مناسبات أنها إذا كانت لا تستطيع الرد بقصف البنية التحتية الامريكية فإنها سترد على الأراضي الخليجية، أهداف مدنية بأهداف مدنية ومشاريع طاقة بمشاريع طاقة، وهكذا، وتبرر أيران ذلك بأنها ترى أن النظم الخليجية شريكة في العدوان لأنها تسمح لأمريكا بإستخدام أراضيها، وعليها أن تدفع الثمن إلى أن تتمكن من وقف هذه المشاركة، وقد تردد مؤخرا أنه في حالة الغزو البري لأراضيها تجهز إيران لغزو بري للأراضي الخليجية، ليس بهدف إحتلالها ولكن لإجبار أمريكا على توزيع مجهودها الحربي وتخصيص جزء من قواتها للدفاع عن الأنظمة الخليجية الحليفة .. أبدى بعض الإعلاميين المصريين الطيبيين إنزعاجهم من خسارة إيران لجيرانها العرب، رد عليهم بعض الخبراء الغربيين الواقعيين بأن إيران إذا لم تفعل فستخسر نفسها.

إذا كانت هذه هي الأهداف التي يمكن تصورها فربما يمكن أن نعرف لماذا توقفت الغارات .. توقفت لأن ضررها أكبر من نفعها، إن كان لها نفع .. ومع ذلك تعال لنفحص أهم ما نقله الإعلام الغربي من تفسيرات للتوقف الثاني قدمها هؤلاء الذين يصرون على وجود دوافع عقلانية لسلوك الإدارة الأمريكية.

ذكروا أن حكام الخليج ألحوا في طلب وقف هذه العملية، فسواء كان ترامب ينوي قصف البني التحتية أو سيلجأ لإحتلال المواقع العسكرية الإيرانية على الساحل فإن الرد سيصيبهم بأضرار لا يمكنهم تحملها .. هل تصدق أن ترامب تنازل عن هدفه (الذي لم نعرفه) لأجل عيون حلفائه الخليجيين؟ .. صدق إن شئت.

أكثر منطقية هو التسريب الذي يزعم أن قادة البنتاجون أوضحوا أنهم يعانون نقصا حادا في مخزون الصواريخ الإعتراضية الذي إستنزف بشدة في الحربين الإوكرانية والإيرانية، وهذا وضع يمثل تهديدا إسراتيجيا لقدرة أمريكا على الدخول في مواجهات أخرى .. مع أن هذا التفسير يبدو أفضل فهو بالمثل غير كاف، فنحن نسمع منذ فترة عن حكاية التراجع في مخزون الصواريخ الإعتراضية، فلا يعقل أن البنتاجون لم يبد إنزعاجه من عودة المواجهة إلا بعد 12 يوما من بدئها .. بعض المحللين الإقتصاديين الأذكياء يرون أن هذا التسريب مجرد وسيلة لإقناع مجلس الإحتياط الفيدرالي بعدم رفع سعر الفائدة.

لقد إرتفعت أسعار النفط بمجرد عودة الغارات وإغلاق المضيق وما زالت تتصاعد، وقد لاحت نذر التضخم في أمريكا (وفي غيرها، لكن ترامب لا يأبه إلا بما يؤثر عل الناخب الإمريكي)، ويبدو أنه كان يتصور أن إيران ستستجيب للغارات قبل إجتماع الإحتياطي الفيدرالي الأربعاء القادم، ولما إتضح أن المواجهة ستستمر لفترة أطول أصبح هذا الإجتماع سيفا مسلطا عليه، فمن المرجح أن الإحتياطي الفيدرالي، وهو هيئة مستقلة غير خاضعة لسلطة الرئيس، سيتخذ قرارا برفع سعر الفائدة ليواجه الإتجاهات التضخمية الواضحة، ولو حدث فستكون له آثار إنكماشية تؤثر بشدة على الناخب الأمريكي، بدون الدخول في تفاصيل: ستتقلص خطط قطاع الأعمال وترتفع معدلات البطالة وتتراجع القدرة الشرائية للمستهلكين وغيرها من الآثار التي ينخفض معها مستوى معيشة الأمريكيين، وأنت تعرف ما الذي سيفعله هذا في شعبية الحزب الجمهوري .. لقد كان ترامب يستخدم حيلة إعلانات التهدئة لطمأنة الأسواق ثم يعود للتشدد، هذه الحيلة فقدت تأثيرها ولن تفلح في إقناع مجلس الإحتياطي الفيدرالي بعدم رفع الفائدة لمجرد أن الغارات توقفت لهنيهة، فجاء هذا التسريب عن تراجع مخزون الصواريخ الإعتراضية كمحاولة لإقناع الفيدرالي بوجود أسباب موضوعية لإستدامة التهدئة هذه المرة فلا يرفع الفائدة .. أعضاء مجلس إدارة الإحتياطي الفيدرالي من أكثر الإقتصاديين حنكة، فهل سيصدقون ترامب؟ .. سينجلي أمر سعر الفائدة بعد الإجتماع، ما يهمنا هو ما سيفعله ترامب بعد ذلك، إذا صدق هذا الكلام فإن الغارات ستعود بعد الإجتماع مهما كانت قراراته، وسنعود لمحاولة فهم الهدف منها.

على أي الأحوال سيظل السؤال الذي طرحناه في بداية المقال السابق في حاجة لإجابة: كيف تفكر الإدارة الأمريكية وكيف تتخذ قراراتها؟ .. المقال القادم بإذن الله.   

شارك المقال