منذ 1 اسابيع | 1104 مشاهدات
كانت العلاقة العضوية بين تنظيمات الطوائف الحرفية ومراكز العبادة (الخانقاوات والتكايا والزوايا) واحدة من تجليات حكم الإسلام لكل جوانب الحياة، عندما كان كل الناس، عوامهم وخواصهم، تسيطر على عقولهم ووجدانهم أفكار الإسلام وتصوراته عن الوجود والحياة والهدف منها والإنسان وعلاقته بمجتمعه، بدون فلسفة أو فذلكة أو رطانة مثقفين، فقد ورثوها وتمثلوها وصارت عندهم كأنها بداهة العقول .. الحرفيون يعون أهمية المشروعية الدينية والأخلاقية في عملهم، والمشايخ يدركون أهمية تقديم كل معونة للمنتجين لأن عملهم ليس مجرد وسيلة للإرتزاق الشخصي ولكنه قيام بفرض كفائي يطالب المسلمين جميعا بالعمل على توفير الإحتياجات المادية للمجتمع ويكلف كل واحد منهم بالقيام بالدور الذي يدخل في حدود طاقته وإمكاناته لدعم هذا الهدف .. هذه العلاقة بين الزاوية والطائفة أعطت لكل منهما قوة وتماسك أكبر، فالزاوية تحتاج كي تقوم بأنشطتها (راجع المقال السابق) لإستخدام خبرات الحرفيين، وفارق بين أن يكون الحرفي أجيرا أو حتى متطوعا لبعض الوقت وبين أن يعمل في خدمة المكان الذي ينتمي إليه ويشارك في إختيار قيادته، وفي نفس الوقت فإن الإطار الصوفي الذي تتشكل داخله الطائفة يعطيعها تماسكا داخليا كبيرا، ويعطي لقيادة شيخ الطائفة بعدا أعمق من البعد المهني الذي يحكم فرق العمل (أو النقابات المعاصرة)، والأهم من ذلك أنه يسبغ على العمل نفسه بالنسبة للعامل قيمة أكبر من كونه مجرد وسيلة للتكسب، إنه يقدم خدماته لمجتمعه حسبة لوجه الله تعالى .. هذه ليست عبارات إنشائية أو عاطفية، وأرجو أن تجد هذه المعاني بنفسك عندما نعرض بنية الطوائف الحرفية وعلاقتها بالزاوية (أو الخانقاه أو التكية) التي تنتسب لها.
كان للطائفة الحرفية دور مهم في تنظيم العمل، فهي التي تعطي للفرد حق مزاولة الحرفة، وتحدد الأجور، والأسعار، ومستويات الجودة، وتفصل في المنازعات .. إلخ، والعامل ينضم إلى الطائفة منذ نعومة أظافره في درجة "صبي"، وهي التي تدربه وتراقب تطوره المهني وتمنحه درجة "صنايعي" عندما يستحقها، ولا يمكن الإعتراف به بعد ذلك "كمعلم" للحرفة إلا إذا رقته الطائفة إلى هذه الدرجة، وهناك طقوس شديدة الخصوصية لترقية العضو من مستوى لآخر.
وهذه الطوائف لم تكن مجرد تنظيمات إقتصادية أو مهنية، بل كانت تنظيمات شبه صوفية ترتكز عضويتها على الإلتزام بالقيم الإخلاقية، والإنحراف الأخلاقي يعرض العضو لعقوبات قد تصل إلى طرده وحرمانه من مزاولة الحرفة، وشيخ السجادة الصوفية كان هو غالبا المرجعية الروحية لأصحاب الحرف المختلفة التي تنتسب لنفس الطريقة (النجارين والحدادين والخياطين .. إلخ)، الأمر الذي خلق شبكة إجتماعية أوسع وفرت مستوى من التضامن والتكافل والقدرة على التحرك الجماعي.
كانت الطائفة تنظيما محليا يرتبط بالمدينة أو الإقليم، وفي المدن الكبرى، كالقاهرة، كان يمكن للحرفة الواحدة أن تنقسم إلى عدة طوائف على أساس الأحياء أو التخصص الدقيق، ولكل طائفة شيخها الذي كان ينتخب من بين "معلمي" الصنعة في هذه الطائفة وتقره السلطة المختصة ( القاضي الشرعي أو المحتسب) ليمارس سلطته على طائفته، ولم يكن للشيخ سلطة على أعضاء طائفة أخرى.
كان المعلمين والصنايعية في نطاق جغرافي معين ينتمون للطريقة الصوفية المهيمنة في منطقتهم، أو لتلك التي تتبعها الزاوية الناشطة فيها، لذلك لم يكن أبناء الحرفة الواحدة ينتمون لنفس الطريقة في كل مكان، كما لم يكن هناك إلزام صارم يربط أبناء الطائفة الواحدة بطريقة صوفية معينة، فقد يكون شيخ الطائفة "خلوتيا" بينما بعض المعلمين والصنايعية "شاذلية" أو "رفاعية"، وإن كان إنتماء الشيخ يضفي صبغته إلى حد ما على طائفته.
عندما يرقى "الصنايعي" إلى "معلم" يقام له إحتفال ديني يسمى "الشد" (قارن مع إحتفال "الخرقة" لمريد الطريقة الصوفية) يتضمن قراءة الفاتحة وربط حزام حول خصر المعلم الجديد وقراءة سيرة النبي أو الولي الذي يعتبرونه شفيعا لهذه الحرفة (نوح (ع) للنجارين وإدريس (ع) للخياطين) .. هذه الطقوس كانت صوفية بإمتياز وتتم برعاية مشاريخ الطرق.
وفي المناسبات الدينية، كالموالد، كانت الطوائف الحرفية تخرج في مواكب وترفع كل طائفة علمها الخاص وتضم عناصر من الطريقة الصوفية المرتبطة بها، يتقدمهم شيخ الطائفة ومعلموها، وهم يذكرون الله وينشدون الأناشيد الدينية.
والزاوية هي المقر الذي يلتقي فيه أبناء الحرفة خارج أوقات العمل، ليس فقط للعبادة والذكر، لكن لحل النزاعات التجارية وإبرام العقود، ولتفقد أحوال الأعضاء ورعاية المرضى ومساعدة المحتاجين وغيرها من جوانب العلاقات الإجتماعية، مما جعل الطريقة الصوفية بمثابة "الشبكة الإجتماعية" التي تحمي تنظيم الطائفة وتمنحها قدرا من التماسك الروحي والوجداني.
لم تكن الطائفة الحرفية مجرد تنظيم يعمل لصالح أعضائه، يدربهم ويحل منازعاتهم ويدافع عن حقوقهم لدى الآخرين ويوفر لهم إحتياجاتهم المعيشية وقت الأزمات، بل كانت تقوم بوظيفة لصالح المجتمع من خلال ضمان مستويات الجودة وتنظيم الأجور والأسعار بما يتلائم مع الظروف العامة للمجتمع، كما تعمل على إلتزام العاملين بالمعايير الشرعية والأخلاقية في عملهم (كالأمانة والشرف والإخلاص)، وخلال الأزمات كان الحرفيون يقدمون خدماتهم لمجتمعهم بالعمل على تغطية إحتياجات الزاوية ولو بالعمل التطوعي لتتمكن من تقديم خدماتها المجانية.
يعد تحطيم الروابط الحرفية تحطيما للمنظمات التي كانت تدافع عن مصالح العمال كخدمة قدمتها السلطة للشركات الرأسمالية الغربية الوافدة، وجزءا من عملية تفكيك تنظيم المجتمع المدني المستقل الذي كان يحمي الجماهير من تغول السلطة، لكن الأسوأ من ذلك أنه كان إزالة للقوة الأكثر قدرة على التحديث الصناعي الحقيقي والمستقل لمصر، وسنفرد لهذه النقطة مقالا مستقلا بإذن الله.