2- كي يدين الإخوان .. إتهام سيد سابق ويوسف القرضاوي بالعالمانية

منذ 3 ايام | 865 مشاهدات

يأخذ الدكتور عبد القادر الحسين على حسن البنا رحمه الله ما إعتبره ترويجا لللامذهبية: ".. أنظر إلى أعمال سيد سابق والقرضاوي .. تعلما في الأزهر تعليما صحيحا وإتبعا المذهب .. لم يأخذا من الأزهر اللامذهبية، أخذاها من فكر حسن البنا فنشرا هذا بين الناس.."، ثم يضيف: "الإخوان فكرة المذهبية غير مفضلة عندهم، المفضل هو اللامذهبية، ولكن يحترمون من كان إخوانيا مذهبيا لأنه إتبع الجماعة [كأنهم لا يحترمون من كان مذهبيا ولكن لا يتبع الجماعة! -ع] وهو يحترمهم أيضا إن كانوا لامذهبيين .. منهم مخلص، ولكن العمل لا يقوم على الإخلاص فقط، لابد من حسن العمل وإتقانه بموافقة السنة، ولا يجوز تجويز جميع الأقوال لأن هذا مخالف وهذا من العندية وهي التأصيل للعالمانية .." عندما تسمع هذا الكلام يخيل إليك أن الإلتزام بواحد من المذاهب الأربعة هو ركن من أركان الإسلام وأصل من أصول الدين، وأن "اللامذهبية" هي دين آخر لا يجب التسامح مع معتنقيه .. وقع الدكتور في عدة أخطاء كبيرة، فأولا: اللامذهبية ليست هي تجويز جميع الأقوال كما يزعم الدكتور، وإنما هي طرح كل تراثنا الفقهي جانبا والإتجاه إلى القرآن وحده يأخذون منه الأحكام ويفسرونه تفسيرا حداثيا مع إستبعاد أحاديث الرسول (ص) وفهم الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وهذا المنهج ليس تأصيلا للعالمانية ولا يحزنون، لكن العالمانيون (خاصة أتباع شحرور) يتخذونه مطية لإفساد فكر الأمة، والإخوان لا يقبلون هذا ويحاربونه، وثانيا: لا علاقة للشيخين الجليلين سيد سابق ويوسف القرضاوي "باللامذهبية"، فمنهجهما يقوم على دراسة كل المذاهب وأدلتها، وعند الإفتاء يقارنون بين الآراء الواردة فيها ويرجحون واحدا يختارونه، وثالثا: لم يخترع حسن البنا منهج الترجيح والإختيار، فقد أقره الأزهر وعمل به قبل عقد كامل من بداية دعوة البنا.. دعنا نقدم، بإختصار أرجو ألا يكون مخلا، بعض التفاصيل:

المذهب هو مجموعة القواعد التي يلتزم بها الفقيه في إستنباط الأحكام، وكل المذاهب تبدأ بالقرآن، ثم السنة، ثم إجماع الصحابة، ثم الإختيار من أقوالهم إن إختلفوا، وتأتي بعدها الأدلة الأخرى من قياس وإستصلاح وإستحسان والأخذ بالذرائع والعرف .. إلخ، هذه هي الخطوط العريضة، والمذاهب تختلف في بعض التفاصيل المبسوطة في كتب أصول الفقه، وهذا يؤدي لإختلاف إستنباطاتهم، ويرى بعض الأصوليين أن الآراء التي يقول بها مجتهدون إستوفى كل منهم شروط الإجتهاد كلها صحيحة، بينما يرى الآخرون أن رأيا واحدا هو الذي يعبر عن مراد الله لكننا لا نستطيع تحديده، وعلى كل يتفقون جميعا على أنه ليس رأي مجتهد بأولى بالإتباع من آخر، ولا يجوز أن ينكر أتباع مذهب على أتباع آخر .. هذه ليست أفكارا عالمانية ولا سوفسطائية ولا عندية ولا مهلبية مما يثرير به الدكتور، بل هي آراء فطاحل العلماء منذ زمن فقهاء الصحابة.

لم يبدأ ظهور المذاهب كمدارس مستقلة إلا في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، وفي القرن الثالث تجاوز عددها العشرون، فخلا الأئمة الأربعة كان هناك مذاهب الحسن البصري، والليث بن سعد، وسفيان بن عيينة، والأوزاعي، وإبن شبرمة، وإبن أبي ليلى، وسفيان الثوري، وغيرهم، وإستمر بعضها لعدة قرون حتى ذوت وإندثرت عدا هذه الأربعة  لأسباب تاريخية لا علاقة لها بالقيمة العلمية للمذهب، كإشتراط الدولة إلتزام القاضي بواحد من هذه المذاهب، ووقف الأوقاف الواسعة على المدارس التي تعلمها، ومع ذلك لم ينقطع وجود علماء لم يتقيدوا بمذهب معين، منهم داود وإبن حزم والعز بن عبد السلام وإبن تيمية وإبن القيم والسيوطي والصنعاني والشوكاني وغيرهم كثيرون.

بحلول زمن التراجع الحضاري والإنحطاط الفكري إتفق جمهور العلماء على غلق باب الإجتهاد، ويذكر إبن خلدون أنهم إضطروا لهذا لأن السلاطين كانوا يضغطون لإستصدار فتاوى على هواهم ويجدون من يستجيب لهم، فكان هذا الإغلاق لقطع الطريق على علماء السلاطين ومنع التلاعب في الفتوى والقضاء وليس لأنهم وجدوا سندا من كتاب أو سنة أو قاعدة من أصول الفقه، يحتاج شرح هذه الظاهرة وتداعياتها لمقال مستقل، المهم أن الإلتزام بواحد من المذاهب الأربعة بات قاعدة مستقرة منذ القرن السابع الهجري، حتى أصبح مذهب المرء جزءا من هويته الإجتماعية، وقامت الحواجز بين المذاهب كأنها أديان مستقلة.

ساد في مصر المملوكية ما يمكن إعتباره أربعة نظم قانونية حسب مذاهب القضاة، وقد بذلت جهدا في محاولة فهم الطريقة التي كان الناس يتعاملون بها وهم لا يعلمون ما هي الأحكام التي ستطبق عليهم عند النزاع، فالأمر يتوقف على مذهب القاضي، وهي قصة شيقة ليس هذا مجالها، لكنه كان بالتأكيد وضعا غير مريح، ولما أراد الخديوي إسماعيل تقنين فقه المعاملات عجز علماء الأزهر عن الإتفاق على مجموعة قانونية واحدة، إذ إعتبر الكثيرون منهم أن حصر المذاهب في بنود قانونية ثابتة هو "بدعة" وتقييد لشرع الله الواسع، وتمسك كل منهم بمذهبه، فما كان من الخديوي إلا أن أنشأ المحاكم المختلطة وإستورد لها القانون المدني الفرنسي (قانون نابليون) مع تعديلات طفيفة، ليصبح هو القانون المدني والتجاري المصري .. كان هذا زلزالا شديدا إضطر معه علماء الأزهر لإعادة النظر والإستفادة من القاعدة الأصولية التي يشرحها الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله في كتابه القيم "أصول الفقه": ".. أن المفتي إذا كان له قدر من الإجتهاد يستطيع به أن يميز بين الأدلة ويتخير من المذاهب المختلفة على أساس هذا الإستدلال فإن له أن يتخير من المذاهب .."، ويشرح بعدها القيود التي يجب أن تتقيد بها هذه العملية، وعندما جاء الدور على تقنين الأحوال الشخصية إعتمد الأزهر الترجيح والإختيار بدءا من القانون 25 لسنة 1920.

هذا هو ما سار عليه الشيخ سيد سابق رحمه الله في كتابه "فقه السنة" والذي يراه الدكتور الحسين فعلة شنعاء وخروج عن السنة ومخالفة لتعاليم الإسلام وتأصيلا نظريا للعالمانية (أشك أن الدكتور يعرف ماهي العالمانية، وأظنه يخلط بينها وبين البراجماتية، وهو مخطئ في الحالتين)، ألا يعرف أن هذا هو منهج الأزهر الذي إعتمده قبل أن يبدأ البنا دعوته بعقد كامل؟

أما الدكتور يوسف القرضاوي رحمه الله فقد ذهب إلى أبعد من ذلك، فهو يرى أنه يستفاد من كل الثروة الفقهية التي ورثناها ولو من خارج المذاهب الأربعة، كفقه الصحابة والتابعين ومن بعدهم من نظراء الأئمة وشيوخهم، وممن إنقرضت مذاهبهم .. يمكن للدكتور عبد القادر الحسين إن شاء أن يشكك في القدرات العلمية للشيخين الجليلين إذا وجد لهما من الأخطاء والشذوذ ما يبرر ذلك، لكن لا يحق له ولا لكائن من كان أن يطعن في المنهج الذي إتبعاه طالما وافق المستقر في أصول الفقه ويجري العمل به بغير نكير من أهل الإختصاص (والدكتور الحسين، وفقا لتعريفه لنفسه على صفحته، أستاذ في التفسير وعلوم القرأن، وليس في الفقه وأصوله)، ناهيك أن يتهمهما بالعندية والسوفسطائية والتنظير للعالمانية.. هذا كلام فارغ لا يليق بطالب دراسات عليا، فما بالك بإستاذ دكتور في أي حاجة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

شارك المقال