منذ 1 اسابيع | 1261 مشاهدات
الإخوان ليسو فوق النقد، لكن الغريب أن يتوجه النقد إلى بعض من أهم ركائز حركة الإحياء الإسلامي المعاصرة ونقاط قوتها، ويدعي أنها من البدع التي أدخلها حسن البنا رحمه الله، مع أنها ليست بدعا، والبنا لم يأت بها من كيسه، وإن كان له فضل إبتكار الأساليب والأدوات لتطبيقها، حتى تحول على يديه ما كان أفكارا نظرية يتداولها بعض المثقفين إلى حركة جماهيرية يعمل لها حساب.
ونقدم هنا نموذجا لهذا النقد في فيديو بعنوان "ما هي عقيدة الإخوان المسلمين وما مذهبهم الفقهي؟" يذهب إلى أبعد مما يدل عليه عنوانه، ويلجأ فيه الدكتور عبد القادر الحسين، أستاذ التفسير وعلوم القرآن بجامعة دمشق، إلى مغالطات تقلب الصالح إلى طالح والنافع إلى ضار، ويقدم نقده بطريقة سطحية تجافي المنطق ومبادئ التفكير المستقيم، وبينما يزعم أنه ينتقد الإخوان، فإنه في الواقع ينتقد مبادئ ضرورية لأي عمل إسلامي جماعي منظم .. ما يتناوله الدكتور، ومن يشاركونه رأيه ممن يدعون إنتماءهم لمدرسة الأزهر، ليس مسألة جزئية يمكن إهمال الرد عليها، لكنها محاولة لإبعاد المسلمين عن العمل الجماعي وتسويغ قيام السلطة بتصفيته.
يقول الدكتور في الرد على السؤال: ".. هل تريدون التأصيل الذي قاله حسن البنا أو من التطبيق الذي طبقه أصحابه؟ حسن البنا يفر من هذه القضية تماما .. لا يحب الحديث عن المذهب والمذهبية ولا عن العقيدة ويسميها بدعة التصنيف، راجع مذكراته إن شئت .. هذا من حيث التأصيل، كلمة مذهب مرفوضة تماما في فكر حسن البنا".
لا تعرف من أين جاء الشيخ بحكاية أن البنا يفر من القضية، تراه لم يقرأ التراث الفكري لحسن البنا؟ فكيف إذن يحكم على فكره؟ أم تراه قرأ ولم يفهم (مشيها لم يفهم) .. لو سألت أي واحد من الإخوان عن المبادئ الفكرية للبنا فسيوصيك بعمله الأشهر "رسالة التعاليم" وعلى الأخص: الأصول العشرين للفهم، والتي تم شرحها في عديد من المؤلفات، يقول البنا في الأصل السابع: "ولكل مسلم لم يبلغ درجة النظر في أدلة الأحكام الفرعية أن يتبع إماما من أئمة الدين، ويحسن به مع هذا الإتباع أن يجتهد ما إستطاع في تعرف أدلته .."، ويضيف في الأصل الثامن: "والخلاف الفقهي في الفروع لا يكون سببا للتفرق في الدين، ولا يؤدي لخصومة ولا بغضاء .." كلام البنا واضح لا إبهام فيه، كل عضو في الجماعة، بل كل مسلم، يختار لنفسه مذهبا من مذاهب الأئمة المتبوعين ويلتزم به، ولأن هذا سيقود إلى تجاور أتباع المذاهب المختلفة في المجتمع وداخل الجماعة نراه ينبه بعدها إلى أن الإختلاف المذهبي لا ينبغي أن يقود إلى النزاع والفرقة، ماذا تريد إذن؟ هل تريده أن يختار مذهبا فقهيا يلزم به الأعضاء ولا يقبل غيره؟ ما المصلحة من حرمان جماعة إنتصبت لمواجة الغزوة الغربية التي تتعرض لها الأمة كلها من جهود أتباع باقي المذاهب؟
لو كان للدكتور الحسين أدنى إلمام بفقه مقاومة الغزو الفكري لرفض الإجابة على هذا السؤال، ولشرح للسائل أن مجتمعاتنا تعاني اليوم من تغلغل العالمانية في كل جوانب الحياة، وإذا كانت العالمانية قد دخلت إلينا تحت ضغط الأعداء فإنها تحظى اليوم بدعم النخب الحاكمة، وتروج لها كتائب المثقفين المتغربين، ويدافع عنها بعض رجال الأعمال المرتبطين بالشركات العالمية متعددة الجنسيات، وهو وضع يعرض المرجعية الإسلامية للشعوب لخطر للإندثار، وإزاء هذا الخطر لا نملك ترف الإنشعال بالخلافات المذهبية في الفروع والإنتصار لواحد منها، فكلها معرضة للهجوم، وفي سبيل الدفاع عن وجود الأمة ينبغي توحيد جهود كل الراغبين في المشاركة دون الإلتفات لأي خلاف مذهبي أو عقائدي .. هذا المبدأ لم يستحدثه حسن البنا أو أي مفكر معاصر، وإنما هو مبدأ أصيل عرفه المسلمون منذ عهد الصحابة (رض).
عندما خاضت؟ دولة الراشدين معاركها مع الفرس والروم ضمت جيوشها كل عناصر الأمة من مسلمين ومسيحيين (راجع مقال "مغالطات سلفية") .. الصحابة لم يلتفتوا لوحدة الدين، والدكتور يتكلم عن المذاهب، وقد ضم جيش نور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي شيعة الشام في مواجهة الصليبيين (راجع مقال "متى أصبح الشيعة كفارا" و"فضح كذبة كبيرة")، وما نواجهه اليوم لا يقل خطرا عن الفرس والروم والصليبيين، ومن الحماقة أن نتوقف عند مذهب من يريد المشاركة في الدفاع عن الأمة .. هذه قضية إسلامية عامة، وكل مسلم – حتى صاحب البدعة مهما كانت بدعته – مطلوب للمشاركة في العمل.
وجماعات العمل تختلف إختلافا جذريا عن معاهد العلوم الشرعية التي إعتاد عليها الأكاديميون والمشايخ، فإذا كانت المعاهد تهتم بتمحيص الأفكار وصحتها فإن جماعة العمل تهتم بوضوح الهدف وسلامة المنهج ونجاعة الأساليب وإخلاص العضو للقضية التي إنتصبت الجماعة لها وقدرته على القيام بالدور المناط به .. تبدو هذه مسألة أوضح من أن نزيد في شرحها.
ما الذي يدفع الدكتور عبد القادر وأضرابه للخوض في مسألة واضحة البطلان؟ .. ربما نفهم دوافعه من باقي الفيديو عندما نراه يرفض ما أسماه باللامذهبية (مدرسة الشيخ سيد سابق والدكتور يوسف القرضاوي رحمهما الله) ويحمل بقوة على تسامح البنا مع خلافات الفرق الإسلامية في المسائل الإعتقادية، ثم حملته الأشد على تبني البنا لفكرة الشيخ رشيد رضا الأكثر من رائعة "فلنعمل في ما إتفقنا فيه وليعذر بعضنا بعضا في ما إختلفنا فيه"، ويدمغها بأنها فكرة سوفسطائية وعالمانية ومخالفة لمبادئ الإسلام [!!].. سنعرض لذلك في مقالات تالية بإذن الله.