13- نهاية "الإنتظار" .. عندما إنفتح الباب للتقارب الشيعي السني

منذ 1 اسابيع | 884 مشاهدات

منذ حوالي قرنين بدأت بالتدريج بعض التحولات الفكرية الجذرية تأخذ سبيلها بين مجتهدي الإثنى عشرية، وكان من شأن هذه التحولات لو وصلت إلى غايتها أن تعيد إدخال الشيعة في الإطار العام لأمة الإسلام بحيث يغدو إختلافهم من نوع الإختلافات المذهبية والإعتقادية التي يموج بها ما نعتبره "العالم السني" دون أن تعوق تراصه في كتلة واحدة في مواجهة التحديات الخارجية .. قد تبدو هذه فكرة غريبة، لكن أرجو أن تتقبلها تماما بعد أن نستعرض أهم هذه التحولات التي إنكسرت بفشل ثورة مصدق عام 1954، وأن تأمل معي في أن يتمكن المجتمع الإيراني من أستئناف مسيرته على هذا الطريق.

في القرن الثالث عشر الهجري، وبعد سقوط الدولة الصفوية، بدأ الفقهاء هنا وهناك في التصدي لتنفيذ الأحكام بأنفسهم، فقاموا بتنفيذ الحدود وممارسة القضاء والإفتاء وتولوا التصرف في أموال اليتامى والسفهاء والمجانين وجمع الزكاة والخمس وصرفهما في مصارفهما، وممارسة سائر شئون الحكم .. لقد تم عمليا تجاوز نظرية "الإنتظار" لحساب نوع من أنواع الحكم الذاتي .. وبدا واضحا إستحكام التناقض بين هذا الواقع والفكر الذي يعلق مشروعية الحكم على وجود الإمام الغائب الذي طالت غيبته، فتحركت، على إستحياء في البداية، دعوة في صفوف المجتهدين لتأصيل نظرية "عموم ولاية الفقيه" لتشمل كل ما للإمام الغائب من مهام وسلطات، تعبيرا عن المنطق الواقعي الذي يرى في غياب "الغائب" مبررا لنقل سلطاته إلى "الحاضرين".

في هذه الظروف طرح الشيخ أحمد بن محمد مهدي النراقي (1771-1828م) مراجعاته لقضية الإمامة والحكم على نفس الأسس الفلسفية التي سبق أن إستنبط منها الأوائل وجوب الإمامة للأئمة المعصومين، فرفض القبول بنظرية "الغيبة" وشكك في فائدة حصر سلطة الحكم في الإمام الغائب، وأكد الحاجة الملحة لوجود الإمام المعلم الهادي الظاهر والمتفاعل مع الأمة، وفي النهاية إضطر للتخلي عن إشتراط العصمة والنص والسلالة العلوية، وإكتفى بالفقه والعدالة، وطرح نظريته في "ولاية الفقيه" .. كانت أفكار النراقي تطورا جذريا في الفكر الشيعي بإتجاه التحرر من عقيدة "الإمامة الإلهية" نفسها وليس فقط من "الإنتظار" .. بالطبع تعرضت هذه الأفكار لمناقشات حامية من العلماء والمحققين، أغلبهم لم يتقبلها، لكنها فتحت الباب لطرح قضية الإمامة للبحث.

وإستجاب الشيخ المجتهد حسن بن محمود بن إسماعيل الشيرازي (1815-1895م) لدعوة جمال الدين الأفعاني  فأفتى بمشروعية ووجوب النضال ضد إستبداد ملوك الأسرة القاجارية (التي جاءت بعد الصفوية) عندما بدأ الشاة ناصر الدين في فتح أبواب إيران للنفوذ الإنجليزي ومنح الإمتيازات لشركاته الإحتكارية، ثم جاء المجتهد محمد تقي بن محب علي بن محمد علي الحائري، الذي عاصر ثورة العراق عام 1920م ضد الإستعمار الإنجليزي وأسهم فيها ليفتي بجواز حمل السلاح وإستخدام القوة خلف الساسة والفقهاء دون إنتظار الإمام الغائب، وقال في فتواه أن "مطالبة الحقوق واجب على العراقيين .. ويجوز لهم التوسل بالقوة الدفاعية إذا إمتنع الإتجليز عن قبول مطالبهم" .. لقد كان هذا كله في سياق الدفاع عن حقوق الشعب ومقاومة الطغيان وليس بإتجاه المطالبة بالسلطة، لكنه كان دفعة للإنتقال من حال الركود والسلبية إلى المساهمة الإيجابية في الشأن العام (راجع مقال "السلبية والإنسحاب ..").

أما المجتهد الشيخ محمد حسين النائيني (1857-1936م) فقد تصدى لنقل القضية إلى مستوى أعلى عندما قدم تصورا أكثر شمولية وجذرية لقضية السلطة والدولة ونظام الحكم، فأكد على أن الأصل في الإسلام هو أن تقوم الحكومة على الشورى، وأن السلطة هي حق من حقوق عامة الناس، وأشار إلى أن عجز الأمة عن الإلتفاف حول الإمام المهدي الغائب يحتم فتح الباب للأخذ بالشورى، وأكد على مشروعية النظام الديموقراطي البرلماني، ومن أهم كتبه (تنبيه الأمة وتنزيه الملة في لزوم مشروطية ودستورية الدولة لتقليل الظلم على الأفراد وترقية المجتمع).

لم ينتج هذا التطور الفكري المدهش عن مجرد مناقشات نظرية في الحوزات العلمية، وإنما عن تفاعل هؤلاء المجتهدين مع الواقع المزري الذي وصل إليه حال الأمة الإسلامية وتواطؤ السلطة الإستبدادية في إيران مع القوى الغربية .. لقد كان هؤلاء المجتهدون يستجيبون لحركة شعبية واسعة إنخرط فيها بعض العلماء تطالب بتطوير النظام السياسي وتحريره من صلاحيات الملوك المطلقة، لم يكن الفكر الشيعي العام قد وصل بعد إلى تقبل فكرة التصدي للقيام بكل وظائف إدارة الحياة، لكنه إستطاع أن يصل إلى فكرة حق الأمة في الرقابة على الملوك غير المعصومين ومقاومة طغيانهم إلى أن يأتي العادل المعصوم فيقيم دولتهم، كان هذا تطورا هاما أمكن بفضله تشكل تيار إسلامي ديموقراطي ليصل بعد نضال طويل إلى إنتخاب أول برلمان في ظل دستور عام 1906م.

لم تتقدم نظرية الحكم الملكي الدستوري يسهولة، فقد قام رضا بهلوي بإنقلاب عسكري ونصب نفسه ملكا دون إستشارة المراجع الشيعية، بل قاد حملة ضد نفوذ رجال الدين، لكن المد الشعبي عادت له قوته في عهد إبنه محمد رضا ليأتي ببرلمان يمثل تحالف الإسلاميين والليبراليين واليساريين، رأس البرلمان آية الله الكاشاني، وإسندت رئاسة الوزراء للدكتور محمد مصدق، المناضل الليبرالي الوطني العتيد، ليقود صراعا لترسيخ الحكم الدستوري ويتوجه بتأميم صناعة النفط (راجع لتفاصيل إنكسار ثورة مصدق كتيب "حتى لا يعود الشاة")، ولمدة عام ونصف بدا أن المجتمع الشيعي في إيران قد تخلص من قيود الإثنى العشرية في ما يتعلق بإدارة الشأن العام، فلم تعد السلطة حكرا على إمام معين من قبل الله هو وحده صاحب الأمر لا يراجع ولا يناقش، وغدا الشعب بكل طوائفه ومذاهبه هو المسئول عن تقرير السياسات وتعيين رئيس للوزراء يقود السلطة التنفيذية، وتفاعل عدد من كبار علماء السنة (في الأزهر بالذات) مع هذه التطورات، ومضوا بإتجاه إحتواء الشيعة في الجسد الإسلامي العام بإعتبارهم مسلمون يتعبدون الله بمذهب فقهي مختلف (المذهب الجعفري)، لكن إختلافه لا يبتعد كثيرا عن الخلافات بين مذاهب أهل السنة، وتوطدت علاقات علمية متنوعة بين كبار العلماء من الطرفين في ما سمي بجهود التقريب بين المذاهب الإسلامية.

لكن سرعان ما إنكسرت التجربة الديموقراطية الإسلامية في إيران نتيجة المؤامرة الأنجلو أمريكية التي أسقطت مصدق وأعادت السلطة للشاة محمد رضا بهلوي ليمارس حكما إستبداديا قمعيا عالمانيا يسعى دون مواربة لإستعادة عرش الطاووس ( أي الإمبراطورية الساسانية الفارسية التي أسقطها الفتح الإسلامي).

وفي ظل هذا القمع السياسي بدأ آية الله روح الله الموسوي الخوميني في نشر نظريته عن ولاية الفقيه عام 1963، والتي لم تكن فقط إنتكاسة للحركة الديموقراطية الإسلامية، ولكنها كانت إنتكاسة أكبر لإحتمالات التقارب السني الشيعي.

شارك المقال