منذ 2 اسابيع | 1384 مشاهدات
أختلف تماما مع هؤلاء الذين يرون في مغامرة أمريكا في فنزويللا إستعراضا للقوة، فأنا أراها على العكس، مظهرا لعمق الأزمة التي تمر بها الإمبراطورية نتيجة التراجع المستمر – إقتصاديا وتكنولوجيا وسياسيا - الذي يعجزون عن إيقافه، وإدراكهم أن الزمن يفاقم الأزمة، ولولا ذلك ما أقدمت أمريكا على هذه العملية التي يتبدى فشلها الذريع يوما بعد يوم.
لا شك أن الأجهزة التي نفذت العملية قد أظهرت براعة فائقة: جمعت معلومات دقيقة، ونجحت – سيبرانيا – في شل الدفاع الفنزويللي .. إلخ، ثم نجحت في تنفيذ المهمة بكفاءة وإقتدار، الخطأ الفادح يكمن في القرار السياسي بتنفيذ مهمة ذات تكلفة عالية لا تقابلها أية أرباح تذكر، وستكون النتيجة خسائر صافية، فالذين إتخذوا هذا القرار تصوروا إمكانية إيقاف التراجع من خلال خلق صورة زائفة لإمبراطورية مسيطرة .. دعنا نستعرض بعض من أهم النقاط التي نحتاجها لتوضح فكرتنا.
إن هدف السيطرة على فنزويللا وإسقاط نظامها الإشتراكي لإقامة نظام عميل خاضع للتوجهات الأمريكية هو هدف يستحق أن يوضع على قمة أولويات الإستراتيجية الأمريكية، ليس للحصول على بترول فنزويللا، فالبترول لم يطرح إلا لاحقا لتبرير تكلفة العملية أمام الداخل الأمريكي وللتغطية على الهدف الحقيقي المتمثل في إعداد مسرح العمليات للحرب العالمية القادمة، والتي لا يجد صانع القرار الأمريكي بديلا عنها لإيقاف صعود الصين الإقتصادي والتكنولوجي والذي يقابله تراجع أمريكي حقيقي (وليس مجرد تراجعا نسبيا كما يظن البعض)، فمن وجهة نظر المصالح العليا الأمريكية لا غبار على الهدف .. لكن بأي شيء يفيد إختطاف الرئيس الفنزويللي في تحقيق هذا الهدف؟
دعك من الهراء السخيف بأن نائبة مادورو ووزير دفاعه قد باعا رئيسهما وسلماه تسليم أهالي، هذا كلام لا سند له إلا إدعاء دونالد ترامب عن تعاون النائبة، وهو إدعاء يكذبه الواقع، هذا يشبه القول بأن خيرت الشاطر هو الذي سلم المرشد للسيسي .. النظام الفنزويللي نظام عقائدي وطني تشكلت كوادره ودولته العميقة خلال ثلاث عقود من النضال ضد الهيمنة الأمريكية منذ وصول هوجو شافيز للسلطة، ولو كانت الأجهزة الأمريكية قد تمكنت حقا من تجنيد نائبة مادورو ووزير دفاعه لأمكنها تنفيذ خطة أقل تكلفة وأكثر فاعلية من هذه الخطة الحمقاء، خطة كتلك التي مكنتهم من إسقاط نظام الدكتور محمد مصدق، الذي كان يحظى بتأييد الليبراليين والإسلاميين واليساريين، وإعادة الشاة ليحكم إيران عام 1954(راجع كتيب "حتى لا يعود الشاة" لتفاصيل هذه الخطة)، أو نسختها المعدلة التي إستخدمت لإسقاط الرئيس الشهيد محمد مرسي رحمه الله، ولما كانت أعطت الفرصة لقيادات النظام الفنزويللي كي تتماسك وتستجمع قواها وتوحد صفوفها، لدرجة أن إبن الرئيس مادورو وقف إلى جوار النائبة وهي تحلف اليمين.
لقد سحبت هذه الحركة الغبية البساط من تحت المعارضة الفنزويلية، لدرجة أن ترامب لم يجد بدا من إعلان عدم نيتة تسليم السلطة لزعيمة المعارضة، بعد أن تجشموا عناء إخراجها من البلاد بعملية سرية جيدة، ولا أصدق أن ترامب قد رفض هذه المرأة لمجرد أنها قبلت تسلم جائزة نوبل التي كان يحلم بها .. الواقع أنهم إكتشفوا أن المعارضة الفنزويللية ستكون في موقف شديد الحرج إذا صعدت على أكتاف الكاوبوي الأمريكي ولن تتمكن من الحكم .. لو كانت المسألة مجرد أن ترامب يكره المرأة فإن لدية الرجل الذي كان مرشحا ضد مادورو والذي زعموا أنه الفائز الحقيقي لولا التزوير.. والآن يقول ترامب أنه هو الذي سيحكم فنزيللا .. كيف سيحكمها وهو لا يملك من ينفذ قراراته على الأرض؟ لا سلطة عميلة ولا قوات إحتلال!!!
بل أن عصابات المخدرات الفنزويللية، وهي تمتلك مستوى لا بأس به من التسليح مكنها من مقاومة الحكومة، أعلنت أنها ستشارك في مقاومة أي غزو بري، وهي لا تحتاج لمشاعر وطنية جياشة لتفعل ذلك، فهي تعرف أن تصفيتها لابد أن يكون واحدا من أهداف الغزو، ولو لتأكيد أن خطف مادورو كان حقا بسبب علاقته بهذه العصابات.
ثم تعال لنسأل عن الفائدة من إختطاف مادورو لمحاكمته، لندع مؤقتا مناقشة سخافة إختطاف رئيس دولة لمحاكمته أما محاكم دولة أخرى وطبقا لقوانينها، ولنسأل: ما الذي كانوا يتوقعونه من هذه المحاكمة؟ .. ما هي التهم الجنائية التي يمكن أن توجه له؟ وما هي الأدلة التي يمكنهم تقديمها لإثبات هذه التهم؟
لقد طنطن ترامب لعدة أشهر بأن مادورو يتزعم عصابة إجرامية لتهريب المخدرات تسمى "كارتيل الشموس"، ثم إتضح عشية الإختطاف أنه لا توجد عصابة بهذا الإسم من أصله، فهو مصطلح مجازي للدلالة على مجمل العصابات العاملة في إنتاج وتهريب وتوزيع المخدرات ولكل منها تنظيمها وزعمائها .. لا يوجد كيان إسمه "كارتيل الشموس"، وبالتالي لن يمكن تقديم أي أدلة على أن هناك من يتزعمه، لا مادورو ولا غيره .. لذلك إنتقل ترامب إلى الكلام عن أن فنزويللا سرقت شركات البترول الأمريكية .. حتى لو صح هذا التشخيص فإن مادورو شخصيا لا يمكن أن يكون مسئولا عن هذه الواقعة، فبطلها هو الرئيس الراحل هوجو شافيز، ولا يمكنك تقديم خليفته للمحاكمة الجنائية، وإذا أراد ترامب الجري خلف هذه الفكرة فقد يطالب بإسترداد حقول البترول أو فرض غرامات وتعويضات على دولة فنزويللا، لكنه لا يستطيع، في أي منظومة قانونية نعرفها، أن يعاقب شخص الرئيس مادرو على واقعة حدثت في عهد سلفه، ومع ذلك فهو مضطر لمحاكمته ما دام أنه قد إختطفه .. فلماذا فعلها من البداية إذن؟ .. الهدف المعقول هو إصابة النخبة الفنزويللية بالرعب لتستسلم بدون قتال (رهان فاشل كما إتضح).
ثم تجد من يلمز الصين بأنها لم تقف مع حليفتها .. ماذا كانوا يتوقعون؟ أن ترسل الصين قواتها إلى نيويورك لتحرير مادورو من محبسه؟ أو أن تغرق سفن الأسطول الأمريكي لتفك الحصار؟ .. الصين ستتجنب كل ما يستعجل الصراع العسكري الذي لم تستكمل عدته بعد، لكنها ستقدم بالتأكيد كل الدعم اللازم لصمود فنزويللا وعدم وقوعها تحت السيطرة الأمريكية .. الصين تستثمر في فنزويللا حوالي 60 مليار دولار، وهذا مبرر معقول لدفاعها عن إستقرار البلد، لكن الأهم هو أن فنزويلا بالنسبة للصين وروسيا هي بالضبط مثل أوكرانيا بالنسبة لأوروبا وأمريكا، موقع متقدم يضغط على خاصرة العدو وطرق إمداده عندما تستعر الحرب.
لماذا لم تقم أمريكا بإستخدام طريقتها المألوفة والمضمونة: الغزو البري وإحتلال البلد، كما فعلت في العراق وإفغانستان من قبل؟ .. الجواب: لأنها لم تعد تملك القوة الكافية (خاصة وقد إستنفذت أوكرانيا وغزة أغلب مخزون الذخائر مما يهدد بإنكشاف الجيش الأمريكي إذا نشب قتال واسع).. المسألة ليست فنزويللا وحدها، فمطلوب أيضا السيطرة على جرين لاند، وحماية تايوان واليابان، وتسليح إسرائيل وهي تحارب في غزة ولبنان وسوريا وإيران .. القوة الأمريكية لا تكفي، فتصور التاجر الحدق أنه يستطيع بلف الزبائن بحركة إستعراضية يشعر معها كل القادة الآخرون، في فنزويللا وفي غيرها، بالخوف على أشخاصهم بعد أن يروا رأس الذئب الطائر .. ربما تكون هذه حيلة جيدة لإخضاع منافسي البزنس، لكن القيادات المخلصة والشعوب الحية تسلك بطرق مختلفة.
هل لهذا علاقة بما يجري في منطقتنا؟ .. بالتأكيد .. لكن المقال طال، فلنؤجل البقية لمقال آخر بإذن الله.