1- ماذا بعد تهمة الإرهاب؟ .. العودة لجدل الإخوان والسياسة

منذ 1 شهور | 2846 مشاهدات

عاد مجددا الجدال حول علاقة الإخوان بالسياسة، فريق يطالب الإخوان بإعتزال السياسة والإكتفاء بالجانب التربوي والخيري، وآخر يعترض بأن شمولية الإسلام تقتضي العمل على كل المحاور، ولأن كلا الفريقين لا يضع المسألة في إطارها الصحيح فإنهما يصلان إلى نتيجتين لا ينبغي قبول أي منهما، دعونا أولا نوضح بإختصار ما نعترض عليه في كلتا الفكرتين قبل أن نقدم وجهة نظرنا.

يعرض الفريق الأول فكرته كما يلي: إن إنخراط الإخوان في العمل السياسي وضعهم بالضرورة في صفوف معارضة أنظمة الحكم الإستبدادية المتحالفة مع الإمبريالية الأمريكية، ونظرا لشعبية الحل الإسلامي بين جماهيرنا فإن الأنظمة لا تملك في مواجهة الإخوان إلا القمع، ولكي تبرر هذا القمع فإنها تلصق بهم تهمة الإرهاب حتى تحاصرهم وتمنعهم من العمل في الداخل، وها هي الحكومة الأمريكية تشرع في تصنيف الإخوان كجماعة إرهابية دولية، الأمر الذي سيؤدي إلى التضييق عليها وتجفيف منابع تمويلها في الخارج أيضا، وهذا سيضر ضررا بليغا بكل جوانب العمل الإسلامي التثقيفي والتربوي والخيري والإجتماعي، فمن الخير إذن أن يعتزل الإخوان السياسة حتى تفقد تهمة الإرهاب معناها ويظل الباب مفتوحا أمام باقي فاعليات الإحياء الإسلامي.

نحن نرفض هذه الطريقة في التفكير من الأصل، ليس فقط لأنها تعترف لخصوم الحل الإسلامي بالحق في التدخل  في تحديد أولوياتنا ومجالات العمل التي سنعمل فيها، لكن الأهم هو أنها تفترض أن أصحابها هم وحدهم الذين يدركون أن نجاح العمل التثقيفي والتربوي سيؤدي على المدى الطويل إلى زعزعة ركائز الحكم الإستبدادي ثم إنهياره، وإلى دفع الشعوب إلى مقاومة التبعية والإنعتاق من الهيمنة الغربية التي تسرق مواردنا وتعرقل نهضتنا .. إن خصوم الحل الإسلامي يعرفون هذه الحقيقة ويفهمونها أكثر منا، فمن السذاجة إذن أن نتصور أن القمع يرتبط فقط بالبعد السياسي للإحياء، وإذا كانوا اليوم يستخدمون فزاعة الإرهاب لضرب العمل السياسي فإنهم في الواقع حريصون على ضرب كل أشكال الإنبعاث الإسلامي الحقيقي ثقافيا وحضاريا وعقائديا، فإذا كانت خطتنا هي ألا نعمل إلا في المجالات التي يسمحوا بها فهم لن يسمحوا إلا بإسلام الدراويش الذي يعزل نفسه عن كل الفاعليات الإجتماعية والسياسية والإقتصادية مدعيا أن هذا هو التصوف (نحن نقدر ونعلي من شأن التصوف السني الذي لا علاقة له بهذه الخزعبلات التي يروجون لها، ونعده عنصرا مهما في تربية المسلم، والأمر يحتاج لتفصيل ليس هذا مجاله).

أما الفريق الآخر فيركز على أن الإسلام كل متكامل تغطي تعاليمه كل جوانب الحياة، وهي تعاليم مترابطة عضويا لا يمكن فصل أي جزء منها وإلا تحول الإسلام إلى دين آخر، وفي عصرنا هذا الذي تسيطر فيه السلطة السياسية على كل الفضاء العام من ثقافة وإعلام وتعليم وإقتصاد .. إلخ (حتى أنها سنت قانونا يحصر الإفتاء في من تعينة وزارة الأوقاف، ويعاقب كل من يقدم على الفتوى بغير إذن الحكومة مهما كان مستواه العلمي ومحصوله الفقهي)، فمن غير المتصور في هذه الظروف إمكانية إستعادة الحياة الإسلامية دون التعاطي مع البعد السياسي للتغيير .. الموقف الصحيح إذن (عند هذا الفريق) هو ضرورة الإستمرار في العمل السياسي مع البحث عن أساليب للتكيف مع ظروف الملاحقة والتضييق.

الفكرة صحيحة بكل تأكيد إذا كنت تتكلم عن مجمل فاعليات حركة الإحياء الإسلامي، لكنها تبدو مضللة إذا كنت تتكلم عن تنظيم معين يعمل داخل هذه الحركة، فمهما كان إخلاص وذكاء وتجرد قيادات هذا التنظيم فإنها ستعجز، لأسباب موضوعية تماما، عن قيادة العمل الدعوي والعمل السياسي معا، وإذا حاولت فستفشل فيهما جميعا، ولقد عرضنا التحليل العلمي الذي يقود إلى هذا الإستنتاج في فصل كتبته عام 2009 (قبل ثورة يناير) ذكرت فيه أنه إذا تغيرت الظروف في مصر وتم السماح بتكوين أحزاب إسلامية فإن كل الجماعات القائمة ستعجز عن التحول إلى أحزاب سياسية فعالة (راجع الفصل الرابع من الباب الرابع من كتاب "الإسلاميون والديموقراطية")، ثم تعرضنا للكثير من التفاصيل في مقالات أخرى كتبت بعد الإنقلاب (راجع: "بين الدعوي والسياسي" وهو تلخيص لما ورد في الكتاب، "لماذا تعجز جماعة الدعوة عن القيام بمهام حزب التغيير، "الإخوان المسلمون – حزب واحد لا يكفي"، "قبل أن تعيدوا بناء التنظيم"ولن نكرر هنا ما ذكرناه هناك، وأرجو أن يعود القارئ لهذه المقالات إذا لم يستسغ هذه الفكرة، المهم هو أن المواهب والمؤهلات والثقافة والخبرة التي تؤهل قادة تنظيم الدعوة للنجاح هي نفسها التي تسبب فشلهم في تنظيم وقيادة عمل سياسي."

إذا رغب الإخوان في التخصص في العمل السياسي (كما فعلت جماعة راشد الغنوشي، فك الله أسره، في تونس)، بما يتطلبه ذلك من تعديل في بنية التنظيم ومناهج العمل ونوعية الأفراد الذين سيتصدون للقيادة، فإن ذلك سيكون مدعاة للأسف الشديد، وسيتحتم على الأمة أن تفرز جماعة بديلة تتصدى للعمل الدعوي الذي كان الإخوان يقومون به بكل كفاءة وفاعلية، فتنظيمات العمل السياسي (الأحزاب) تحتاج لوجود قاعدة إجتماعية متفهمة ومخلصة لهدف الإحياء الإسلامي وراغبة في تحقيقه ومستعدة للتضحية في سبيله، لكن الأحزاب لا تستطيع بناء هذه القاعدة، فدورها هو تحويل الأفكار المجردة والأهداف العامة إلى برامج عملية وخطوات إجرائية وقيادة الجماهير لوضعها موضع التنفيذ، لكنها بطبيعتها عاجزة عن التعامل مع قضية بناء الشخصية المسلمة وتزويدها بالدوافع التي تحفزها على العمل ودفع ثمن التغيير.

هل يعني هذا أننا نطالب الإخوان بتجاهل البعد السياسي في نشاطها الدعوي والتربوي بإعتبار أن السياسة هي تخصص الأحزاب؟ .. بالقطع لا .. فهي إن فعلت ستتحول إلى ما يشبه الطريقة الصوفية أو الجمعية الخيرية، ولن تستطيع القيام بدورها الحيوي في بناء الشخصية المسلمة الإيجابية الفعالة المنفتحة على العمل العام والقادرة على تحمل تبعاته لبناء مجتمع إسلامي معاصر، وهي الشخصية التي تمثل لبنات القاعدة الإجتماعية التي ستبني عليها الإحزاب السياسية عملها.

هل ترى أننا وقعنا في إشكالية من نوع "نفتح الشباك أم نغلق الشباك"؟ .. هذه الإشكالية لا تظهر إلا بسبب إفتراض أن البعد السياسي للإحياء الإسلامي يقتصر على العمل السياسي، والأمر ليس كذلك .. هذا موضوع المقالات القادمة بإذن الله.

 

شارك المقال