منذ 1 اسابيع | 1426 مشاهدات
عادت إسرائيل لقصف غزة، فماذا بعد؟ .. من المستبعد إفتراض أنها تنوي الإستمرار في القتال إلى أن تقضي على كل عناصر حماس، فهي تعلم أن لهذا تكلفة لا تستطيع تحملها، خاصة وقد أعلنت مخابراتها أن المقاومة قد أعادت تنظيم نفسها وعوضت خسائرها، فما الهدف الذي يمكن إستقراؤه لهذا القتال؟ .. زيادة الخسائر الفلسطينية في المنشآت والأرواح على أمل أن يؤدي ذلك إلى أن تخفف المقاومة من تصلبها فتقبل حلا وسطا، ليس هو الإستسلام الكامل الذي كانت تطلبه إسرائيل، ولا هو الإنتصار شبه الكامل الذي أعطاه للمقاومة الإتفاق المنقوض، ولكنه أقرب إلى الإستكانة، فتقبل المقاومة أن تتولى سلطة أبو مازن إدارة القطاع (مما يعني إنكشاف كل شيء فيه لأعين المخابرات الإسرائيلية حتى لو إحتفظت المقاومة بسلاحها) وخروج فصائل المقاومة من الخدمة كما خرج حزب الله في لبنان، ودخول الأجهزة والشركات المصرية والعربية لإعادة الإعمار، مما يمكنها من تخطيط البنية التحتية بحيث تسيطر على الأنفاق ومصانع السلاح وتسد كل المنافذ التي تستخدمها المقاومة لإعادة بناء نفسها .. هذا، على الأرجح، هو ما يريده العدو، أما نحن فنسأل الله أن يعين أهلنا على الصمود ويمكن المقاومة من الإستمرار إلى أن يأتي الله بفرجه .. قد تظن أن هذه أوهام دراويش، لكننا نعتقد أن المطلوب من المسلم هو القيام بالعمل الصحيح قدر الطاقة ثم يتوكل على الله، ومعرفة العمل الصحيح تبدأ بقراءة الموقف لإستكشاف المحاور التي يمكن أن يأتي منها الفرج، والعمل على هذه المحاور.
أما رجاؤنا في صمود أهلنا وإستمرار قدرة المقاومة على التصدي فلا نملك له معلومات صلبة نستمدها من معرفة بتفاصيل ما يجري على الأرض، لكننا ما زلنا نذكر القلق الذي إعترانا جميعا في بداية الطوفان عندما أعلنت المقاومة أنها أعدت العدة للقتال لمدة ستة أشهر، عندها قلنا لو صمدت ثلاثة لكانت معجزة ربانية، لكنها إستمرت وبنفس الصلابة لخمسة عشر شهرا، وبناء عليه نصدقها إذا قالت أنها قادرة على المواصلة لمثلها، ونصدق من ينقل لنا عن أهلنا في غزة أنهم رغم الألم والمعاناة لم تزدهم وحشية العدو إلا إصرارا على التمسك بأرضهم، وإنها لإحدى الحسنيين، النصر أو الشهادة، لا وجود في قاموسهم لثالثة .. ونحن لا نملك، في ما يخص العمليات القتالية، إلا الدعاء لهم، لكننا نملك تقديم النصح بالنسبة للعمل السياسي الذي نعتقد أن قصوره الحالي يؤخر النصر ويضيع بعض الفرص، وهذا القصور، كما أوضحنا من قبل، يأتي أساسا من خضوع المقاومة لخرافة أن العمل بعيدا عن سلطة أوسلو يعد شقا للصف، لذلك أحجمت عن إقامة كيان سياسي بديل يمثل خيار الشعب الفلسطيني في المقاومة .. بدون كيان سياسي مقاوم يعبر عن إرادة الشعب سيتعذر الوصول إلى حل يترجم كل هذه التضحيات إلى مكاسب ملموسة على أرض الواقع.
يمكن إيجاز المهام الملحة التي نرى أن على القيادة السياسية للكفاح الفلسطيني أن تتصدى لها في النقاط التالية:
أولا: إعلان حكومة وطنية لعموم فلسطين، تتكون من كل الفصائل الفلسطينية التي تتبنى خيار المقاومة لتحرير فلسطين وتعمل على الحصول على دعم كل الفلسطينيين في الداخل والخارج (يكفي أغلبهم بالطبع) وعلى إكتساب الشرعية الدولية كممثيل لشعب دولة فلسطين، وليس من الضروري أن تعترف بها كل دول العالم، بل يكفي عدد معقول من الدول الداعمة للحق الفلسطيني لإكسابها قدرا من الشرعية يمكنها من لعب الدور المطلوب، فتبدأ بتنظيم الضغط الدولي لتنفيذ الإجراءات الممكنة لردع إسرائيل ودعم الكفاح الفلسطيني، و تدبير الدعم المالي واللوجستي لصمود سكان غزة، ورسم السياسة الإعلامية (خطاب التحرير) الذي يعاني اليوم كثيرا من الإرتجال والتشوش رغم حماسته بسبب تبعثر القوى وتعدد الإجتهادات، والأهم هو صياغة خطة التحرير وضمان إلتفاف الشعب الفلسطيني حولها (سنتوسع بإذن الله في كل هذه النقاط في مقالات تالية) .. أما المكسب الذي سيتحقق بإذن الله فور إعلان هذه الحكومة فهو قطع الطريق على محاولات إختراع وسيلة لإدارة القطاع تجعله في وصاية النظم العربية.
ثانيا: الدعوة والتنسيق لإقامة تحالف دولي لإنشاء منفذ بحري مستقل لقطاع غزة تحت إشراف هذا التحالف بهدف كسر الحصار الإسرائيلي وإدخال مستلزمات الحياة المدنية (ربما يستطيع هذا التحالف أن ينفذ المشروع من خلال الأونوروا) .. سترفض إسرائيل بالطبع وبشدة، لكن توافر الدعم الدولي الرسمي من عدد من الحكومات (ربما تضطلع بهذا الدور مجموعة لاهاي، وهي أضعف من أن تدخل وحدها في مثل هذه المواجهة مع إسرائيل، لكن بصفتها داعمة لحكومة فلسطين الوطنية ستكون قادرة على إجتذاب حكومات أخرى للمشاركة في مشروع محدد ذو طابع إنساني واضح) بالإضافة إلى الدعم الشعبي الذي سيقدمه متطوعين راغبين في المساهمة بجهدهم وأموالهم سيكون له أثر فعال، فحتى لو لم يتمكن التحالف من تنفيذ المشروع تحت القصف فقد يعمل على إرغام إسرائيل على رفع الحظر، ولو جزئيا، على دخول الإحتياجات الإنسانية.
ثالثا: إنشاء الجهاز الوطني لإعادة إعمار غزة بالجهود الذاتية، لا يمكننا شرح مهمة هذا الجهاز وطريقة عمله بإختصار، لكنه سيكون الأداة الرئيسية في إفشال مؤامرة الإعمار مقابل الإستسلام، والتي نعتقد أن التمهيد لها هو الهدف الأساسي من عود إسرائيل لغاراتها الوحشية.
سنتوسع بإذن الله في الكلام عن هذه النقاط بتفصيل أكبر في المقالات التالية، المهم هو أن الأمر العاجل ليس هو إنجاز هذه الأهداف، فهي ولا شك تحتاج لوقت، لكن العاجل هو السير فيها بخطوات جادة وحثيثة، فمجرد التقدم بإتجاه إنجازها سيمثل ضغطا هائلا على الدول العربية والإسلامية، فهذا عمل سياسي سلمي ذو أهداف موضوعية إنسانية بعيدا عن مجريات الأعمال العسكرية (وإن كان يضرب خطط العدوان في الصميم) وقد تبنته دول قد تتمكن من إنجازه، ولا يمكن للحكومات العربية منع مواطنيها من الإنخراط في حركة يشارك فيها شعوب وحكومات العالم، لا يمكنها ذلك دون المخاطرة ببقائها في السلطة، وسواء فتحت الحكومات الباب لمواطنيها أو خضعت للضغط فإن أمريكا ستدرك المخاطر المتصاعدة على مصالحها (الحكومة الفلسطينية الوطنية لن تخلق هذه المخاطر من العدم، في موجودة وأمريكا تشعر بها (راجع تصريحات ويتكوف)، لكن خطوات إجرائية محددة تتخذها حكومات وشعوب العالم لدعم هذه الحكومة الوطنية سيزيد المخاطر على الأنظمة العربية) .. على الأرجح ستعمل أمريكا بإتجاه حل معقول لقيام دولة فلسطينية تحاول أن تنزع منها مقومات القوة، وسنحاول نحن أن نحصل لها على الحد الأدنى من المقدرات الذي يمكن البناء عليه مستقبلا لتحرير فلسطين من النهر إلى البحر، والله غالب على أمره.