منذ 3 شهور | 3859 مشاهدات
أخ فاضل وصديق، قديم بعد أن عدد خيانات الشيعة للأمة عبر التاريخ، تساءل: هل يمكن أن تأمل في التحالف معهم؟ .. الإجابة: نعم، ولأسباب موضوعية، لكنه لن يتم إلا إذا سقطت هذه المجموعة الكهنوتية من الملالي، هذا عن شيعة إيران ومن تبعهم، أما زيدية اليمن فيمكن لنظام إسلامي صادق أن يردهم إلى الموقع الذي عاشوا فيه عبر التاريخ كجزء عضوي يصعب تمييزه داخل النسيج السني .. كيف يمكن إقامة هذا التحالف الشيعي السني؟ كان هذا في الواقع هو الهدف من هذه السلسلة، لكننا نحتاج أولا إلى فهم عناصر الفكر الشيعي المعاصر حتى يمكننا تفكيكه إلى مقولاته الأساسية ثم التعامل معها، وسنكتشف أن المهمة أسهل مما يتصور الكثيرون إذا كان من يقومون بها هم أبناء حركة الإحياء الإسلامي، أما النظم الإستبدادية فلا يمكن إلا أن تزيد الطين بلة.
لفترة طويلة كنت واحدا من جماهير المسلمين الذين لا يفهمون سببا لإنقسام الأمة إلى شيعة وسنة، فقد تعلمنا أن الشيعة هم هؤلاء الذين إنحازوا لمعسكر علي بن أبي طالب (رض) في مواجهة خصومه من الخوارج والأمويين، وللوهلة الأولى تبدو هذه خصومة تاريخية إنقرض أطرافها وإنقضى زمانها، فهل هو خلاف مبدأي حول الموقف الفكري من طرفي الصراع؟ .. أبدا.. فعلماء السنة يعترفون بشرعية خلافة علي بن أبي طالب .. هو الراشد الرابع، وكان الحق معه في كل الصراعات التي دخلها، فلماذا لم يصنف أتباعهم بإعتبارهم من شيعة علي؟
لقد إستمر أبناء علي (رض) وأحفاده يرون أنفسهم أحق بالخلافة، ويمثلون حركة معارضة نشطة ضد الحكم الأموي ثم العباسي من بعده، وقادوا عددا من حركات الخروج المسلح مثلت خطرا حقيقيا غلى النظام الحاكم، فهل غدا الذين خرجوا مع رجال البيت العلوي أو أيدوا خروجهم هم الشيعة، وأصبح الآخرون هم أهل السنة؟ .. وقائع التاريخ تثبت عكس ذلك، فعدد كبير من رموز أهل السنة من جيل التابعين وتابعي التابعين ثم أئمة المذاهب الفقهية ومؤسسي علم الكلام الإسلامي كانوا من أشد معارضي الحكم الأموي، وكثيرون منهم ساهم في دعم ثورات آل البيت العلوي، بل والمشاركة فيها بالتمويل وحمل السلاح .. ولنقدم أمثلة (فالقائمة أكبر من أن تحصى).
لما خرج زيد بن على زين العابدين على هشام بن عبد الملك الأموي سنة 122ه قال الإمام أبو حنيفة (رض): "ضاهى خروجه خروج رسول الله يوم بدر"، فقيل له: "فلم تخلفت عنه"، قال: "لو علمت أن الناس لا يخذلونه كما خذلوا جده (الحسين (رض)) لجاهدت معه، لأنه إمام حق، ولكني أعينه بمالي"، وبعث إليه بعشرة آلاف درهم، ولم يكن هذا موقفا شخصيا لأبي حنيفة، فقد كان أكثر العلماء داعما بدرجة أو بأخرى لزيد بن علي، وبعد فشل الثورة هرب أبو حنيفة من إضطهاد الأمويين إلى مكة ليجاور بيت الله الحرام، ولم يعد إلى الكوفة إلا بعد أن إستتب الأمر للعباسيين، وبايع أبا العباس السفاح، وظل على ولائه لهم إلى أن قامت الخصومة بينهم وبين العلويين، فلما خرج محمد النفس الزكية وأخوه إبراهيم (حفيدا الحسن بن علي (رض)) على المنصور العباسي سنة 145ه جاهر أبو حنيفة بوجوب نصرة الثورة، ثم إنتهى الأمر بحبسه وضربه عشرة أسواط يوميا (بتهمة عدم التعاون ورفض تولي القضاء، فلم يكن المنصور ليعلن للناس أن فقيههم الكبير لا يراه أهلا للخلافة)، ليلقى ربه بعد الإفراج عنه بقليل.
والإمام مالك (رض) لم يشتهر عنه تأييد ثورة النفس الزكية (وإن كانت بعض الروايات تقول أنه أجاز الإلتحاق بها)، لكنه كان يروي حديث " ليس على مستكره يمين"، والذي إتخذه الثوار حجة لإبطال بيعة المنصور لأنها تمت بالإكراه، فنهاه والي المدينة عن روايتة، لكن الإمام إستمر يحدث به على رؤوس الأشهاد في درسه، حتى أمر به الوالي فضرب بالسياط ومدت يده حتى إنخلعت من كتفه فلم يعد قادرا على رفعها حتى في الصلاة.
أما الإمام الشافعي فلم يشارك في أي دعاية علوية، لكنه عرف بمحبته لآل البيت حتى قال في ذلك:
إذا كان رفضا حبي آل محمد فليشهد الثقلين أني رافضي
وربما كان هذا هو السبب في أنه سيق مكبلا بالحديد من اليمن إلى بغداد عام 184ه متهما بالإنضمام للحركة العلوية ليعرض على هارون الرشيد، ولولا وجود محمد بن الحسن الشيباني (تلميذ أبي حنيفة الذي ذهب بعد وفاته إلى المدينة ليدرس على الإمام مالك في الفترة التي كان الشافعي ما زال ملازما له) فربما بطش به الخليفة .. إستشهد الشافعي بمحمد، فقال للرشيد "إن له من العلم حظا كبيرا، وليس الذي رفع عنه من شأنه" .. الشاهد هنا أن الشافعي كان معروفا بأنه علوي الهوى دون أن ينخرط في نشاطهم السياسي.
أما المعتزلة، فرسان العقلانية الإسلامية ومؤسسي علم الكلام، فقد شاركوا بنشاط في عدد من ثورات العلويين، وعلى الأخص ثورة الإمام زيد بن علي، بل وعدوها ثورتهم، ثم إستمروا في تأييد ثورات الزيدية من بعده، وأرجو ألا تكون ممن تأثروا بفكرة أن المعتزلة ليسو من أهل السنة (الإعتزال مذهب كلامي، وفي الفقه يتمذهب المعتزلي بواحد من مذاهب السنة الأربعة)، صحيح أنهم بعد القرن الثاني الهجري تأثروا بالمناهج الفلسفية اليونانية وتبنى بعضهم مقولات يصعب تمريرها، لكن في الفترة التي نتكلم عنها لم يكن للمعتزلة من مصادر إلا الكتاب والسنة لايخرجون عنها، وإن توسعوا في المباحث العقلية.
هذا هو حال مؤسسي تيار الفكر السني، كلهم يرى أن عليا (رض) كان أولى بالحق من كل خصومه، وشارك الكثيرون منهم في ثورات العلويين، ومن لم يشارك لم يعلن الخصومة للثوار .. فما الذي أدى لوضع الفكر السني كقسيم في مقابل الفكر الشيعي؟
السبب هو أن التعريف الذي تعلمناه للشيعة لم يعش لأكثر من قرن واحد، ثم حدث أن بعض أنصار البيت العلوي لم يكتفوا بالتأييد على قاعدة الحب لآل بيت الرسول (ص) والقناعة بأن قادته هم الأعلم والأورع والأقدر على القيادة والأكثر قبولا عند جماهير المسلمين، فأسبغوا على بعض رجال هذا البيت (وليس كلهم) من الصفات والخصائص الإعجازية ما ابتعد بالقضية عن دائرة إختيار الأمة لحكامها وأدخلها في دائرة العقائد الإيمانية، ليزعموا أن الله هو الذي يعين الأئمة ويعطيهم من القوى ما لا يعطيه لسائر البشر، وأن القبول بإمامة الإمام هو فرع من القبول برسالة الرسول .. إلخ، وبحلول القرن الرابع الهجري أصبح السنة هم من يرفضون عقائد الإمامة، والشيعة هم من يرون الإيمان بها من أركان الإسلام .. سنتابع عرض أصول عقائد الإمامية وأهم فروعها ومتضمانتها السياسية والإجتماعية وتفنيد الزيدية والمعتزلة وأهل السنة لها في مقالات قادمة بإذن الله.