منذ 6 سنة | 1957 مشاهدات
كنت أرغب في تخصيص هذا المقال لبحث الصفة التي خولت للدكتور أحمد الطيب النجار أن يتحدث في أبو ظبي بإسم المسلمين، لأنه وإن كان يحمل لقب "شيخ الجامع الأزهر" فهو ليس بشيخه على الحقيقة، إنما هو موظف في وظيفة حكومية هذا هو إسمها، كما يتسمى أحدهم بإسم أمين أو عادل وهو ليس بأمين ولا عادل، بل أن الأزهر نفسه لم يعد تلك المنارة العلمية التي يعمل لرأيها ألف حساب في كل العالم الإسلامي .. لكن الكلام في هذا الموضوع يتشعب ويطول، وسأقتصر هنا على البيان الذي وقعه الطيب وفرنسيس (بابا الفاتيكان) تحت إسم "إعلان أبو ظبي".
بيان سخيف وممل، يحمل كلاما مكررا ومعادا عن التسامح والأخوة والقيم العليا .. إلخ .. إلخ، لا يدل على أن ثمة أي حوار قد دار بين عالم مسلم وآخر مسيحي للوصول إلى أي شيء له معنى، ولا تعرف السبب الذي دعا أحمد الطيب لشد الرحال إلى أبو ظبي، إلا أن يكون مجرد خلق مناسبة لإقامة هذا القداس المريب على أرض جزيرة العرب التي أوصانا رسولنا (ص) ألا يكون بها دينان .. هذه على أية حال قضية تصدى لها بالفعل عدد من كبار العلماء الأجلاء (بإستثناء أحمد الريسوني، الذي لا ندري كيف أجلسوه على مقعد القرضاوي)، لكن هناك فقرتان بالذات تحملان مدلولات لا يجب تجاهلها:
تنص الفقرة الأولى: "أن الإرهاب البغيض الذي يهدد أمن الناس، سواء في الشرق أو الغرب، وفي الشمال والجنوب، ويلاحقهم بالفزع والرعب وترقب الأسوأ، ليس نتاجا للدين - حتى وإن رفع الإرهابيون لافتاته ولبسوا شاراته - بل هو نتيجة لتراكمات الفهوم الخاطئة لنصوص الأديان وسياسات الجوع والفقر والظلم والبطش والتعالي؛ لذا يجب وقف دعم الحركات الإرهابية بالمال أو بالسلاح أو التخطيط أو التبرير، أو بتوفير الغطاء الإعلامي لها، واعتبار ذلك من الجرائم الدولية التي تهدد الأمن والسلم العالميين، ويجب إدانة ذلك التطرف بكل أشكاله وصوره."، ولنا عليها ثلاث ملاحظات على الأقل، تستوجب كل منها على حدة أن ندين توقيع من يحمل لقب "شيخ الأزهر" عليها:
الملاحظة الأولى: هذه الصياغة لا تندد إلا بالإرهاب الذي يحمل لافتات دينية (مفهوم أنه يخص الحركات الجهادية الإسلامية، فلا توجد حركات عنف ترفع لافتات مسيحية)، وتتجاهل تماما عمليات العنف والإبادة المجرمة التي تمارسها عدد من الحكومات حول العالم ضد المسلمين لمجرد كونهم مسلمين، من أول إخوتنا من الروهنجا إلى أهلنا في فلسطين المحتلة .. كان من واجب الطيب أن يصر على إضافة ما يشير إلى إدانة هذا الإرهاب أيضا، أو يرفض التوقيع على النص بهذه الصياغة المبتسرة التي يبدو واضحا أنها موجهة إلى الحركات الإسلامية المسلحة وحدها.
الملاحظة الثانية: ما كان ينبغي للنجار أن يقبل إستخدام مصطلح "الإرهاب" الفضفاض دون أي تعريف أو تحديد، فهو يعلم أن دولا غربية عدة تصنف حركات المقاومة الإسلامية في فلسطين على أنها منظمات إرهابية، وتصف الحكومة المصرية جماعة الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية، فهل كل من يدعم المقاومة الفلسطينية (وهو واجب شرعي لا يمكننا التخلي عنه) أو يبدي تعاطفا مع الإخوان (وهو واجب إنساني حتى لو لم تكن مسلما) سيتعرض لعقوبات دولية؟ .. ما هذا يا شيخ؟!! .. ماذا تركت للصهاينة؟
الملاحظة الثالثة: أوضحت الفقرة أن هذا الإرهاب الذي يتحدثون عنه (أيا ما كانت حقيقته) هو نتيجة لظواهر سببته، لكنها مع ذلك ركزت على محاربة النتيجة ومحاصرتها دوليا دون أن تقترح أي إجراء لمحاربة الأسباب وإزالتها .. ألم يكن الأولى، والأكثر موضوعية وتحقيقا للهدف وتعبيرا عن حسن النية، إدانة سياسات التجويع والإفقار والظلم والبطش والتعالي، وإدانة من يمارسونها، والدعوة لدعم كل من يقاومونها ويحاولون إزالتها؟ .. أم أن الغرض مرض.
وتنص الفقرة الثانية: "أن الاعتراف بحق المرأة في التعليم والعمل وممارسة حقوقها السياسية هو ضرورة ملحة، وكذلك وجوب العمل على تحريرها من الضغوط التاريخية والاجتماعية المنافية لثوابت عقيدتها وكرامتها، ويجب حمايتها أيضا من الاستغلال الجنسي ومن معاملتها كسلعة أو كأداة للتمتع والتربح؛ لذا يجب وقف كل الممارسات اللاإنسانية والعادات المبتذلة لكرامة المرأة، والعمل على تعديل التشريعات التي تحول دون حصول النساء على كامل حقوقهن."، وهي صياغة خبيثة، بل شريرة، وتستحق كلاما مطولا لا يتسع له المقام، أغلبه لمحاولة بيان أن جل ما تشكو منه هذه الفقرة هو مما نشأ في الغرب ويصدره إلينا بإسم التحرر والحداثة (الإستغلال الجنسي ومعاملتها كسلعة أو كأداة للتمتع والتربح)، ونحن نريد من النجار بالذات أن يوضح لنا ما هي الممارسات اللاإنسانية والعادات المبتذلة لكرامة المرأة (فقد إعتدنا من الإعلام الغربي وأذنابه عندنا أن يطلقوا هذه الأوصاف على إحتشام المرأة المسلمة)، والأخطر هو ذلك الكلام عن تعديل التشريعات التي تحول دون حصول النساء على كامل حقوقهن، ما هي هذه التشريعات وما هي تلك الحقوق؟ وهل تشمل موضوع الميراث مثلا؟ .. وهل خطر ببال الشيخ المسلم أن يخبر البابا أننا نعلم المسلمين منذ 1400 سنة أن النساء شقائق الرجال، ويسأله: هل ما زالت الكنائس تعلم أتباعها أن المسيح هو رأس الكنيسة والرجل هو رأس المرأة؟
لقد بدأت حكاية الحوار الإسلامي المسيحي هذه من فكرة أنهم يحملون أفكارا مغلوطة عن الإسلام، وأننا نريد أن نوضح لهم حقيقة ديننا، هل ما زالت لهذه الفكرة أية قيمة؟ .. هل مشكلتنا معهم هي أنهم فعلا لا يعرفون حقيقة الإسلام، أم أنهم يعرفونها جيدا (ربما بأفضل مما يعرفها كثيرون من أبناء المسلمين)، ويفهمون أنه سبيلنا الوحيد للإنعتاق من هيمنهم وقهرهم وإستغلالهم لنا، وبسبب هذه المعرفة بالذات يحاربون الإسلام حربا حقيقية، لا يجدي معها الحوار والمناقشة، وإنما الواجب هو التصدي بكل قوانا لتلك الغزوة الغربية، بشقيها التبشيري والعالماني، ولا حول ولا قوة إلا بالله.