منذ 6 سنة | 2407 مشاهدات
نشرت الأهرام في عددها الصادر الخميس 4 أكتوبر في صفحتها الأولى خبرا تحت عنوان "ثلاثي التطور يفوزون بنوبل للكيمياء"، مع أن الثلاثة لم يعملوا أبدا على نظرية التطور، هذه ملاحظة هامشية، لكنها تعطيك فكرة عن أن المحرر يتعمد المغالطة لإبراز كلمة التطور في العنوان، وفي متن الخبر يقول المحرر أنهم حصلوا على الجائزة لأبحاثهم في إستخدام نظرية التطور، والحال أنه لا لجنة نوبل ولا أي مرجع علمي محترم يستخدم عبارة "نظرية التطور"، فالتطور حتى الآن لم يزل فرضية لا يمتلك من الشواهد ما يجعلها ترتقي إلى مرتبة النظرية العلمية، ثم يورد المحرر في ثمانية أسطر جزءا من حيثيات منح الجائزة، هذا هو نصها: "الفائزون ألهمتهم قوة التطور [لاحظ أن اللجنة لم تنعتها بالنظرية] وإستخدموا مفاهيم التغير الجيني والإنتقاء لتطوير بروتينات تحل مشكلات البشر الكيميائية" وأضافت "لقد تمكنوا من تسريع تطور الجينات آلاف المرات وإعادة توجيهها لإنتاج بروتينات جديدة" موضحة أنهم "طبقوا مبادئ نظرية دارون في مختبراتهم".
لقد أثار إستغرابي أن تعتبر لجنة نوبل أن هذه الأبحاث تطبيقا لنظرية دارون، وأثار غضبي أن المحرر أورد هذه العبارة بدون تعليق، رغم أنه يعلم بالتأكيد الإستفزاز الذي ستمثله هذه العبارة للكثيرين، لكن خطر ببالي أن أراجع حيثيات اللجنة من مصادر أخرى، لعل المحر أخطأ في الإقتباس، وعندما بحثت في الإنترنت عن النص وجدت إقتباسات عديدة، بعضها قصير وبعضها طويل جدا، لكن ولا واحد منها ذكر أن اللجنة ربطت هذه الأبحاث بأي رابط مع الداروينية، والأرجح عندي أنها لم تفعل، لكن المحرر الجهول ظن أنهم ماداموا تكلموا عن التطور فلابد أنهم يقصدون دارون (ونحن نفترض فيه الجهل لأنه أرحم الإفتراضات)، وهذا خطأ فاضح.
إن فرضية دارون تنحصر في تفسير نشوء الأنواع المختلفة من الكائنات الحية بالصدفة والإنتخاب الطبيعي، أما فكرة التطور فموجودة من قبله بحوالي ألف سنة عند بعض علماء المسلمين (الجاحظ مثلا في كتابه "الحيوان")، وقبل دارون بخمسين سنة تقريبا قدم "لامارك" فرضيته لتفسير هذا التطور، إذن فكرة التطور ليست من إكتشاف دارون ولا هي من مساهماته العلمية، ونحن نكره فكرة دارون لنفس السبب الذي يجعل الملحدين يتحمسون له، فهي تفسير يلغي دور الإله في نشوء الأحياء.
وأبحاث هؤلاء الفائزين بنوبل لم تعتمد على الصدفة ولا على الإنتخاب الطبيعي، فقد كان عملهم يعتمد على توجيه إتحاد النيوكليدات التي تتكون منها الجينات لتتحد بطرق أخرى لتشكل جينات تعمل على إنتاج بروتينات من أنواع جديدة، هذا ليس بالصدفة ولا بالإنتخاب الطبيعي، إنه إستخدام قائم على التوجيه العمدي لبعض الإكتشافات الحديثة المتعلقة برسم الخرائط الجينية للبشر والتعرف على وظائفها، وجل العلماء الذين قاموا بهذه الإكتشافات ممن يعارضون الداروينية، حتى أن "فرانسيس كولنز"، رئيس فريق أبحاث رسم الخرائط الجينية، الذي نشرت نتائج أبحاثه في 2003، وعدت بحق ثورة في علوم البيولوجيا الجزيئية، ألف بعدها كتابه "لغة الإله"، وعنوان الكتاب يلخص فكرة الكاتب، لا يوجد صدفة ولا إنتخاب طبيعي ولا يحزنون، ولكن إله قادر مريد وضع تصميما مسبقا جرى تنفيذه عبر الزمن .. هذا هو ما يعنيه "كولنز" وكل أنصار "التصميم الذكي" عندما يتكلمون عن التطور.
إن الملحدين يستغلون إرتباط فكرة التطور بفرضية دارون في أذهان غالبية الناس ليوهموننا أن القبول الواسع الذي باتت تلقاه فكرة التطور بين علماء البيولوجيا يعني أنهم يصدقون دارون وصدفته وإنتخابه الطبيعي، الواقع أن هذا أبعد ما يكون عن الحقيقة، يوجد فعلا بعض العلماء الذين مازالوا يروجون لنسخة منقحة من فرضية دارون، لكن هناك أيضا من يؤكدون بالأدلة العلمية الدامغة أن نشوء الأنواع الحية من أصل واحد مشترك (وهي الفكرة التي تمتلك بالفعل قبولا واسعا) لا يمكن أن يكون قد تم بالصدفة، وأن الإنتخاب الطبيعي مجرد خرافة ليس عليها أية شواهد علمية (ويقدمون شواهد تنقضه)، وهم يتبنون بدلا من ذلك فرضية "التصميم الذكي"، لكنهم لم يصلوا بعد لنظرية تشرح كيف عمل هذا التصميم الذكي، بعضهم، منهم "فرانسيس كولنز"، يرى أن الخالق أودع في الخلية الحية الأولى برنامجا معقدا، أكثر تعقيدا بمراحل من برنامج DNA الشهير، ليعمل مع الزمن وتغير الظروف لتخليق كل الأنواع من بعضها، وعلى الطرف الآخر هناك من يستبعدون إمكانية وجود هدا البرنامج، ويرجحون أن الخالق جل وعلا هو الدي تدخل تدخلا مباشرا في كل مرة ليختار بعض أفراد من النوع الأدني ليعدلها في صورة أرقى لنوع جديد، وبين الطرفين توجد وجهات نظر عديدة، المهم أنهم يثبتون خلال أبحاثهم إستحالة أن تكون الطفرات العشوائية التي تحدث بالصدفة هي المسئولة عن ظهور الأنواع.
لست متخصصا في علوم الأحياء، ولا أشغل نفسي بهدا العلم إلا من وجهة واحدة، هي أنه يثبت بالأدلة العلمية فساد ما يقوله الملحدون (إستنادا إلى الداروينية) من أن الخلق ليس في حاجة للإله، ولا أرى مبررا لأن يحاول بعض المتدينين معارضة أبحاث البيولوجيا الجزيئية التي تحاول أن تفهم الطريقة التي إستخدمها الله جل وعلا في الخلق، فما يفعلونه هو ما أمرنا نحن به من يوم أن نزل القرآن يعلمنا "قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق .." العنكبوت: 20، هدا بحث علمي نتركه لأصحاب الإختصاص، فإدا وصلوا فيه إلى نتيجة معينة وأقاموا الأدلة على صحتها فليس في نصوصنا ما يمنعنا من قبولها، لكننا نرفض تماما أن تروج الأهرام للداروينية، فهي فكرة غير علمية، بغض النظر عن أنها تستخدم لإنكار وجود الإله الخالق .. ربنا لا تؤاخدنا بما فعل السفهاء منا.
القارئ المهتم بالداروينية وأدلتها والطريقة التي دحضها بها أنصار "التصميم الدكي" سيجد ملخصا معقولا في الفصلين الثاني والثالث من الباب الثاني من كتابنا "خواطر ماركسي سابق".