منذ 7 سنة | 2204 مشاهدات
يذيع الأستاذ محمد شاهين التاعب على قناة "الدعوة" سلسلة من الفيديوهات في الرد على الملحدين الجدد، ومن الواضح أنه يبذل جهدا كبيرا، وموفقا، في جمع المعلومات، وهو يجيد تحليلها وعرضها، جزاه الله خيرا، لكنه ينجرف أحيانا إلى مناقشات جانبية كنت أفضل ألا ينشغل بها، وألا يشغل بها متابعيه، كمناقشته لأفكار الدكتور عمرو شريف عن التصميم الذكي.
يعطي الملحدون الجدد مكانا محوريا في أفكارهم للداروينية الحديثة، وسيجد القارئ المهتم شرحا مبسطا لهذه النظرية في الفصل الثالث من الباب الثاني "التنوع الأحيائي" من كتابنا "خواطر ماركسي سابق" ص ص 65-74، وسيجد في نفس الفصل الطريقة التي ساهم بها علماء البيولوجيا من أنصار "التصميم الذكي" في الدحض العلمي لكل مزاعم الداروينية الحديثة، ولا أريد أن أكرر هنا ما كتبته هناك .. الأستاذ محمد شاهين يرفض فكرة التصميم الذكي، وهو من أنصار الخلق المباشر، ولا إعتراض عندي على موقفه، لكني أعترض غلى أن يؤسس هذا الموقف على خلفية دينية، وإعتراضي هذا ليس دفاعا عن التصميم الذكي، لكنه دفاع عن منهج التفكير الإسلامي.
لا شيء في الإسلام يتعارض مع منهج البحث العلمي التجريبي في أي مجال من مجالات العلم، بل يشجعه ويحتفي به، طالما إلتزم بالقواعد المنهجية التي تعلمناها من الكتاب والسنة، وتعلمها منا فلاسفة العلم في عصر النهضة الأوروبي، وصاغوها في المنهج الحديث للبحث، وحققوا بها تقدمهم العلمي .. والمسلمون موقنون، إنطلاقا من تعاليم دينهم، بأنه لن توجد حقيقة علمية تتعارض مع حقيقة إسلامية أبدا، فخالق الكون هو منزل الكتاب، ولا يمكن أن يوحي لعباده بما يتعارض مع سنته في خلقه، لا أعرف مسلما يخالف في ذلك.
والفرضيات العلمية لا تقبل كحقيقة إلا بعد أن تصمد لكل أنواع التجارب (من فلاسفة العلم من يرى أنه لا توجد نظرية علمية واحدة حتى الآن يمكن وصفها بأنها تصف الحقيقة بحذافيرها)، لكننا لأغراض البحث العلمي والتطبيق التكنولوجي نكتفي بنجاح الفرضية في إجتياز التجارب في نطاق معين كي نستخدمها في هذا النطاق، لا لأنها تعبر عن حقيقة ما هو موجود، ولكن لأنها تملك أكبر الإحتمالات لأن تكون معبرة عنها، وهي أفضل ما لدينا.
أما الحقيقة الشرعية فهي تلك التي تصلنا من خلال نص قطعي الثبوت قطعي الدلالة، وكل آيات الكتاب قطعية الثبوت، لكن ليست كلها قطعية الدلالة ، والنصوص ظنية الدلالة تحمل عدة معاني كلها مقبول، وإن تفاوتت في قوة دلالاتها على كل منها، ونحن نتبنى أقرب المعاني إلى فهمنا وإلى معلوماتنا عن واقعنا، لكننا لا نستطيع الحكم بالبطلان على سائر الدلالات، وهذا واحد من أهم أسباب الخلاف بين المجتهدين عندما يتبنى بعضهم معنى غير الذي تباه الآخرون، لكننا بالطبع لا نستطيع أن نخرج خارج نطاق الدلالات المحتملة، إلا إذا قررنا – والعياذ بالله – الخروج من الإسلام نفسه.
والنص قطعي الثبوت قد يحتوي غلى أكثر من قضية واحدة، وتكون دلالته قطعية على بعض هذه القضايا وظنية في القضايا الأخرى، وهذا هو حال النصوص قطعية الثبوت الواردة في شأن خلق آدم عليه السلام، فهي قطعية في أن الله جل وعلا خلق آدم على الصورة التي أرادها، أم مراحل هذا الخلق فهي تحتمل عدة دلالات، فآدم بالتأكيد لم يخلق من العدم، فالآيات تقول أنه خلق من تراب، ومن طين، ومن حمأ مسنون، وهذه كما ترى مراحل يمر بها التراب بعد خلطه بالماء ثم إختلاطه بالبكتيريا، وظاهر هذه اللنصوص لا يعطينا أكثر من ذلك، لكنه أيضا لا يعطينا الحق في أن نرفض وجود مراحل أخرى مر بها الحمأ المسنون قبل أن يصبح إنسانا، وقد فصلنا القول في ذلك وأوردنا النصوص التي نعتمد عليها في الفصل الثالث من القسم الثاني من كتابنا "خواطر ماركسي سابق" تحت عنوان:"قصة الخلق – التطور، التصميم الذكي، الدفع المباشر" ص ص 112-117.
لذلك فنحن نعارض بشدة الداروينية الحديثة (والقديمة طبعا)، لأنها تذهب إلى أن التنوع الأحيائي قد تم بالصدفة، بالطفرات العشوائية والإنتخاب الطبيعي، فالدلالات القطعية لعدد كبير من آيات الكتاب تقول بوضوح أن الله هو خالق كل شيء، وأن كل خلق قد تم بتقدير مسبق، ولم يترك شيء للصدفة، أما التصميم الذي فهو – كما يدل إسمه – يذهب إلى أن الخلق لابد أن يكون قد تم وفق تصميم مسبق، وأنصاره يحاولون معرفه الآلية التي عمل بها هذا التصميم المسبق ليقود عملية التنوع الأحيائي، ويعرض العلماء عدة مداخل للوصول لفهم هذه الآلية، بعضهم يفضل إفتراض أن التصميم كله وضع منذ البداية في نواة الخلية الأولى ليعمل بعد ذلك حسب برنامج مسبق، إما بالتفاعل مع تغير البيئة ونضج الظروف على الأرض، أو بمرور الزمن، أو بأي مجموعة أخرى من العوامل التي تكون الخلية قد صممت للإستجابة لها والتفاعل معها، وعلى الطرف الآخر هناك من يرى أن العملية أكثر تعقيدا، ولابد أن الله، جل وعلا، هو الذي يتدخل في الوقت المناسب ليدخل التغييرات المطلوبة على نوع ما ليتحول إلى نوع آخر، ولا شيء في ذلك – إن صح – يتعارض مع الأصول الإسلامية.
هل معنى هذا أننا نؤيد إعتبار التصميم الذكي هو التفسير المحتمل لآيات الخلق، أو حتى للتنوع الأحيائي مع إستثناء آدم بالذات وإعتباره حالة خاصة؟ .. لا طبعا .. فالتصميم الذكي ما زال فكرة في مهدها، وكشأن كل النظريات العلمية في بداياتها ما زال يحتوي على عديد من الفرضيات غير المبرهنة، فهو بذلك لا يرقى إلى مستوى الحقائق العلمية التي نلجأ معها إلى العدول عن ظواهر الآيات، لكننا أيضا لا نملك القول بأنه يتعارض مع دلالاتها الأخرى التي تخالف الظاهر .. ما الموقف الذي يقودنا إليه منهج التفكير الإسلامي من هذه النظرية؟ .. نقول أنه لا شيء في الإسلام يمنعنا من متابعة البحث، فإذا أمكن للعلماء الوصول إلى صياغة نظرية يقيمون عليها الشواهد العلمية الراجحة فسيمكن لمن يقتنع بقوة الأدلة العلمية أن يعتمدها باعتبارها التفسير الأكثر قبولا لآيات الخلق، وليس المطلوب من العلم في هذه الحالة أن يعطينا براهين قاطعة، لأن دلالات النصوص تحتمل الخلق على مراحل .. هذه إذن قضية تخص علماء البيولوجيا، ولا ينبغي أن نحاول إتخاذ موقف معين من التصميم الذكي إذا كنا من خارج التخصص، سنقبل ما يصل إليه العلماء على ذمتهم، ونظل مؤمنين بكل ما يطالبنا الإسلام بالإيمان به.
يظن الأستاذ التاعب أن البراهين التي أقيمت على عدم صحة فكرة شجرة الحياة الداروينية قد ضربت التصميم الذكي في مقتل (شجرة الحياة هي تمثيل دارويني لتطور الأنواع كلها من خلية واحدة أولية تحدث لها تغيرات صغيرة متوالية في إتجاهات متعددة فتنشأ الأنواع من بعضها كفروع من جذع واحد)، والواقع أن هذا ليس صحيحا، فشجرة الحياة هي فكرة ضرورية للداروينية فقط، لأنها تعتمد على طفرات جينية صغيرة بتراكمها تتمايز الأنواع عن بعضها، فإذا ثبت أن هناك أنواع تفصلها عن جذع الشجرة مسافة بعيدة فإن تفسير التطور بالطفرات العشوائية يغدو مستحيلا، من وجهة نظر علمية صرف، أما التصميم الذكي فقد يمكنه أن يجد تفسيرا يتخطى هذه العقبة، وهي بالنسبة لهؤلاء الذين يقولون بالتدخل الإلهي ليست عقبة على الإطلاق .. صحيح أن التصميم الذكي لن يرقى إلى مستوى النظرية العلمية إلى أن يجد تفسيرا لهذه الملاحظة ينسجم مع باقي جوانب النظرية، لكننا لا نرى مبررا للمصادرة على حق العلماء في البحث عنه، فهذا لن يكون أكثر من إستجابة للأمر الإلهي: "قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق .." العنكبوت: 20، كما يصرح الدكتور عمرو شريف، فمن ذا الذي يملك الزعم بأننا مهما تقدمنا في العلم فلن نعرف كيف بدأ الخلق؟ .. دعهم يبحثون، فهذا شأن علماء الأحياء والحياة وغيرها من التخصصات، وعندما يصلون إلى نتيجة تعززها الشواهد فسنقبلها، وليس قبل ذلك .. دعهم يبحثون، فكل أبحاثهم، حتى لو لم تصل إلى نظرية متماسكة يمكن أن نصدق أنها تصف كيف بدا الخلق، فإنها بالتأكيد ستفند بكفاءة بالغة مزاعم هؤلاء المتخرصون الذين يحاولون إيجاد تفسير للتنوع الأحيائي ينكر الخلق الإلهي .. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.