منذ 7 سنة | 2157 مشاهدات
في حديثه إلى قناة الجزيرة ورط الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح نفسه بتبني موقف من علاقة الجيش بالعمل السياسي يتسم بالتشوش والإرتباك إضطره لبعض المغالطات التي لا تليق بمعارض سياسي قديم يصف نفسه بأنه مدني ديمقراطي.
يرأس الدكتور حزبا معارضا، فلا يمكنه إلا أن يعلن إمتعاضه من الأوضاع التي آلت إليها مصر في ظل هذا النظام، لكنه في نفس الوقت لا يريد أن يقول ما يغضب العسكر ومؤيدوهم، فيضطر إلى أن يقول كلاما مليئا بمغالطات فجة، كأن يقول مثلا أن الجيش المصري عبر تاريخه لم يتدخل في السياسة [!!!] .. عن الجيش المصري يتحدث؟ .. ماذا كانت حركة الضباط الأحرار إذن؟ .. وماذا كان مجلس قيادة الثورة (12 ضابطا) الذي حكم مصر لمدة أربعة سنوات حتى قدم رئيسه – جمال عبد الناصر – في إستفتاء كرئيس للجمهورية؟ .. وخلال عهد عبد الناصر ظل أغلب الوزراء والمحافظين ورؤساء المدن ورؤساء الشركات العامة .. إلخ من رجال القوات المسلحة، حتى أنشد أحمد فؤاد نجم في الستينات: "الحمد لله أهي باظت، وفي كل حتة مدير ظابط، وانشالله حمار"، وكانت قمة تدخل الجيش في الحياة العامة عندما تولى عبد الحكيم عامر رئاسة لجنة تصفية الإقطاع واستعان بالشرطة العسكرية في القيام بمهمته .. ومهما كان رأيك في عهد عبد الناصر فلابد أن تعترف أن نظامه إعتمد في الأساس على رجال القوات المسلحة، ويوم وفاته، بعد 17 سنة في الحكم، كان رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس التنظيم السياسي الأوحد (وهم كلهم جمال عبد الناصر) ونائبا رئيس الجمهورية (أنور السادات وحسين الشافعي) والأمين العام للإتحاد الإشتراكي العربي (علي صبري) ضباط سابقون، واستمر هذا الوضع بدرجة أخف في عهد أنور السادات، ولم يكن حسني مبارك يتخذ قرارا رئيسيا واحدا لا ترضى عنه قيادات الجيش، وبعد ثورة يناير تصدت القوات المسلحة لإدارة المرحلة الإنتقالية ولم تتركها لقيادة مدنية من الثوار .. إني أجد كلام من يؤيدون حكم العسكر ويوجدون له بعض المبررات أكثر مصداقية من كلام أبو الفتوح، فكلامهم على الأقل يخلو من مغالطة التاريخ.
وعندما أراد أن يعاتبهم على ما فعلوه بسامي عنان قال أن الجيش المصري له تاريخ في إحترام القادة .. أخطأ الدكتور هنا مرتين، الأولى: أنه يطلب لقادة الجيش معاملة خاصة عندما يتصدون للعمل السياسي بعد ترك الخدمة .. لماذا يعاتب المجلس الأعلى للقوات المسلحة لأنه لم يعطي لسامي عنان قيمته كقائد سابق؟ ألا يكفي أن يلومهم لأنهم لم يحترموا حقه الأصيل كمواطن مصري؟ .. أما الخطأ الثاني فهو أن تاريخ العسكرية المصرية لم يكن كما قال، من أول اللواء محمد نجيب الذي سجنوه في منزله بالمرج وشطبوا إسمه كأول رئيس للجمهورية المصرية، مرورا بعبد الحكيم عامر الذي بدلا من أن يحاكموه على فشله الذريع في 1967 نحروه في منزله وأخرجوا له ملفات نسائية (مع أنها كانت زيجات شرعية) ليشنعوا عليه، ثم الفريق أول محمد فوزي وزير الحربية وقائد الجيش المصري في حرب الإستنزاف، الذي سجنه السادات في قضية مراكز القوى، وليس إنتهاء بالفريق أول سعد الدين الشاذلي رئيس الأركان والعقل المفكر لنصر أوكتوبر رحمه الله .. لا كرامة لقادة الجيش المصري إذا اختلفوا مع القيادة العليا مهما كانت إنجازاتهم في سبيل الوطن، فالتنكيل بسامي عنان ليس إذن حالة خاصة ولا يحزنون.
ومن أعجب ما قاله الدكتور في حديثه هو أنه يستبعد أن يكون البيان الذي اتهم سامي عنان قد صدر عن الجيش [!!!] .. من أين جاء هذا البيان إذن؟ ولماذا لم يعلن الجيش تبرؤه منه؟ .. هل تخشى أن تقول بصراحة أنك تعترض على هذا البيان حتى لا تضع نفسك في مواجهة المجلس العسكري؟ .. إن السياسي المخلص لأمته لابد أن يصارحها بأن سيطرة القوات المسلحة على الحياة السياسية والإقتصادية في مصر لا يمكن أن يكون مجرد إرادة عبد الفتاح السيسي المنفردة، وأن القوات المسلحة إعتادت على مدى أكثر من ستة عقود أن تكون هي صاحبة القرارات الكبرى في كل شيء .. إن التشخيص الصحيح هو نصف الطريق إلى الشفاء، ولابد أن يعرف شعب مصر أن العودة إلى المسار الديمقراطي لا يمكن أن تتحقق إلا في ظل سلطة مدنية لا تعتمد إلا على الدعم والتأييد الشعبي وحده .. من غير المعقول أن يكون سامي عنان أعمق فكرا من عبد المنعم أبو الفتوح في هذه القضية المحورية .. إذا كان الدكتور لم يجد في نفسه القدرة على تحمل عواقب هذه المصارحة فقد كان من الأفضل له ولتاريخه أن يتجنب الخوض في الموضوع من أصله، بدلا من أن يدندن بكلام مطاط يؤدي إلى تعمية الجماهير عن حقيقة المشكلة.