منذ 7 سنة | 4058 مشاهدات
إذا كان الغزالي قد بدأ دراسة الفلسفة وهو يمر بمرحلة من الشك في محاولة للبحث عن الحقيقة، تراوده فكرة أن الفلاسفة ربما كانوا على حق، فإن إبن تيمية درس وهو يوقن تماما أن كل ما يخالف ما جاء به الوحي لايمكن أن يكون له علاقة بالحقيقة، وقد درسها، كما درس أفكار الباطنية وغلاة الصوفية من أصحاب مذاهب الحلول والإتحاد ووحدة الوجود، ليرد عليها وينقي فكر المسلمين مما يكون قد علق به من خبث أضافه كل من أعرض عن الكتاب والسنة، فاتضح له أن المشكلة ليست فقط في النتائج، وإنما في مناهج البحث الفلسفي التي استند إليها فلاسفة اليونان ومن تابعوهم.
ولم يتقيد ابن تيميه في تفكيره إلا بالكتاب والسنة ومناهج الصحابة والتابعين في فهمهما وبحكم العقل المستقيم، وقد هاله ما زعمه هؤلاء الفلاسفة من أن أدلة القرآن ظنية لا تفيد اليقين القطعي، وأن المسلمين محتاجون إلى منطق أرسطو لإقامة أدلة برهانية يقينية، وننقل هنا عبارته في كتاب "نقض المنطق": "لو سوغ للناظرين أن يعرضوا عن كتاب الله ويعارضوه بآرائهم ومعقولاتهم، لم يكن هناك أمر مضبوط يحصل لهم به هدى ولا علم، فالذين سلكوا هذا السبيل كلهم يخبر عن نفسه بما يوجب حيرته وشكه .. فثبت بشهادته وإقراره على نفسه .. أنه لم يظفر من أعرض عن الكتاب وعارضه بما يناقضه بيقين يطمئن إليه، ولا معرفة يسكن بها قلبه، والذين ادعوا في بعض المسائل أن لهم معقولا صريحا يخالف الكتاب، قابلهم آخرون من ذوي المعقولات فقالوا: إن قول هؤلاء معلوم بطلانه بصريح المعقول، فصار ما يدعى معارضة الكتاب به من المعقول ليس فيه ما يجزم بأنه معقول صريح، إما بشهادة أصحابه .. وإما بظهور تناقضهم .. وإما لمعارضة آخرين من أهل هذه المعقولات .. فإذا كان فحول النظر وأساطين الفلسفة .. لم يصلوا فيها إلى معقول صريح يناقض الكتاب، بل إما إلى حيرة وارتياب، وإما إلى اختلاف بين الأحزاب، فكيف بغير هؤلاء ؟ ".. والفكرة التي يؤكدها ابن تيمية هي: إن اختلاف الفلاسفة فيما بينهم ومعارضتهم بعضهم بعضا يؤكد أن الوسائل التي يتبعونها ليست يقينية كما يزعمون، وإلا لكان كل من يعرف كيف يستخدمها يصل إلى الحقيقة، والحقيقة واحدة لا يختلف الناس بشأنها، فهذا الإختلاف يؤكد أن المناهج الفلسفية إنما تقود إلى نتائج ظنية احتمال الخطأ فيها قائم، ولا يمكن التعويل على مثل هذه المناهج في معارضة القرآن .. ويعود إلى هذه الفكرة بشكل أوضح في كتابه "موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول" فيقول: "العلم الإلهي لا يجوز أن يستدل فيه بقياس تمثيلي يستوي فيه الأصل والفرع، ولا بقياس شمولي تستوي فيه أفراده، فإن الله سبحانه ليس كمثله شيء، فلا يجوز أن يمثل بغيره، ولا يجوز أن يدخل هو وغيره تحت قضية كلية تستوي أفرادها، ولهذا لما سلك طوائف من المتفلسفة والمتكلمة مثل هذه الأقيسة في المطالب الإلهية لم يصلوا بها إلى يقين، بل تناقضت أدلتهم".
لقد ركز إبن تيمية جهوده على توضيح حجم الخلل المنهجي في طريقة اليونان في التفكير، وسنقصر عرضنا على بعض ما ساقه ابن تيميه للبرهنة على تواضع قيمة منطق أرسطو كأداة تضمن سلامة التفكير وصحة نتائجه ليتضح لنا موقفه من الفلسفة، دون أن نتطرق إلى المناهج البديلة التي وضع أصولها وإعتمد عليها في تفكيره، فلهذا مجال آخر.