منذ 7 سنة | 2008 مشاهدات
لا نريد أن نقول أن ما حدث لا يستحق أي اهتمام، أو أنها قضية شكلية لا قيمة لها، فعدم اعتراف كل دول العالم بالقدس كعاصمة لإسرائيل هو مسألة قد يمكن بالفعل الاستفادة منها بشكل ما، وقرار ترامب بنقل سفارته ربما يكون بداية ليتبعه الآخرون، لكن كل هذا الصراخ والشجب والاستنكار، وإقامة الدنيا والوعيد بعدم إقعادها إلا بعد أن تعود أمريكا عن قراراها، خاصة عندما تأتي هذه الضجة من مجموعة الحكام الذين لم يدخروا وسعا في دفع شعوبهم دفعا للتطبيع مع الكيان الصهيوني، وحصار المقاومة والعمل على تركيعها، عندما يأتي هذا ممن يصرون على ضرورة أخذ إسرائيل بالأحضان والاستفادة من وجودها بدلا من تبديد الجهد في عدائها، فلابد أن تلعب في عبنا فئران كثيرة، فيغلب على ظننا أنها ليست إلا محاولة لصرف أنظارنا عن أصل المسألة.
هذا يذكرني بقصة اليهودي الذي ذهب إلى الحاخام يشكو له من ضيق السكن، لأنه يقيم مع زوجته ووالدته وستة أطفال في غرفة واحدة، فقال له الحاخام: خذ هذا الخنزير واحتفظ به في منزلك إلى أن أجد حلا لمشكلتك، حاول الرجل التملص من أخذ الخنزير لكن الحاخام أصر، وبعد أسبوع جاء الرجل راجيا الحاخام أن يسترد خنزيره، لأنه اكتشف أن ضيق المسكن ليس مشكلة كبيرة لهذه الدرجة .. إنهم يخلقون لنا مشكلة فرعية صغيرة، ويصورونها على أنها أم المشاكل، حتى إذا تراجع ترامب عن قراره بعد أسبوع أو أسبوعين دقوا الطبول وأقاموا الأفراح وأشعرونا أننا حققنا نصرا كبيرا، والباقي سهل إنشاء الله، فدعونا نعمل في صمت .. أو هذا ما يبدو لي الآن.
القضية يا سادة هي أن الصهاينة يحتلون فلسطين بعد أن طردا أهلها منها، ويريدون تهويدها، وهم قد أعلنوا القدس عاصمة لهم، ونقلوا بالفعل كل مقرات حكومتهم إليها، ويرفضون أي وجود إسلامي في القدس، ويحاولون هدم المسجد .. القضية هي أن فلسطين أرض إسلامية، والقدس وحرمها الأقصى هو وقف إسلامي، لا يسقط حقنا فيه بالتقادم، ويأثم كل مسلم ما لم يفعل كل ما في وسعه لتحريرها، ولو بأن يحفظ القضية حية وينقلها للأجيال القادمة، حتى يأذن الله بنشأة جيل صالح يبذل الجهد ويقدم التضحيات التي تجعله مستحقا لنصر الله وتحقيق وعده " .. فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة .." الإسراء: 7.
وإذا كنت لأي سبب لا تفهم، أو لا تقبل، المدخل الإسلامي للقضية، فلتتذكر البعد القومي العربي لها، والذي ظل أصحابه يرددون لعقود طويلة أن فلسطين أرض عربية يجب تحريرها، وحتى لو كنت مجرد رجل براجماتي يرفض أن يدير صراعا لأجل القيم والمبادئ فسنحدثك عن المصالح، إن مصالح مصر العليا تقتضي أن نتمسك بوضعنا كمركز الثقل الحضاري للمنطقة وقطب الرحى فيها، فمصر هي الوحيدة القادرة على قيادة نهضة عربية شاملة، ووجود إسرائيل وسعيها للهيمنة على المنطقة هو الأداة الرئيسية التي يستخدمها الغرب لعرقلة هذه النهضة، أو كما قال محمد حسنين هيكل – أيام زمان – أن الصراع العربي الإسرائيلي هو صراع وجود لا صراع حدود .. فكر في مصلحة مصر الدنيوية التي تقرر أن قيام مصر ونهضتها لن يتحقق إلا بإخراج إسرائيل من معادلة المنطقة بأي صورة من الصور.
لا تشغلونا بالخنزير الجديد الهزيل عن باقي الخنازير القديمة، لا تطمسوا جوهر القضية بتحويلها إلى سفارة تنتقل أو لا تنتقل، وتمسكوا بإعلان أصل المسألة: طالما فلسطين محتلة وأهلها لم يعودوا إليها فإن لنا قضية لن ننساها، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.