منذ 7 سنة | 2104 مشاهدات
"ملاذكرد" ليست مجرد معركة تجلت فيها القدرة الإسلامية، عندما انتصر 20 ألفا على 200 ألف بيزنطي، لكنها المعركة التي حمت ودعمت نمو القوة الإسلامية الوحيدة التي كانت قادرة وراغبة، وقتها، في تحقيق انبعاثة الأمة الإسلامية التي مكنتها من التصدي لأخطر هجومين تعرض لهما العالم الإسلامي في ذلك العصر: الحملات الصليبية والغزوة التترية.
إن انكسار القوة البيزنطية في هذه المعركة مكن السلاجقة من توسيع سلطانهم على حسابها، فقضموا منها جورجيا وأرمينيا وأغلب هضبة الأناضول (تركيا الحالية)، وبفضل سيطرتهم على هذا الإقليم الكبير تمكنوا من حشد القوة التي مكنتهم من ضم أجزاء أخرى من العالم افسلامي الممزق حينها وتوحيده ليكونوا إمبراطورية حقيقية، وتمكن قادة هذه الإمبراطورية من حشد جماعة من السياسيين والمحاربين ذوي الحس الإسلامي والنزعة الجهادية، وهذه الجماعة وورثتها هي التي تمكنت من قيادة الأمة في القرون التالية، كما تمكنوا، بفضل ما عرف عنهم من إخلاص وتدين، وما أنفقوه من أموال طائلة، من تعليم وتدريب طائفة من العلماء المخلصين الذين أيقظوا روح التدين والجهاد في جماهير الأمة، لا يمكن لأحد أن يزعم أن السلاجقة قد قاموا بذلك وحدهم، لكنهم كانوا العمود الفقري القوي الذي مكن هذه القوى من التجمع حوله، وكانوا هم الجهاز العصبي الذي نسق جهود هذه القوى ومكنها من أن تؤتي ثمارها.
تمكنت الحركة التي قادها السلاجقة من تحقيق انبعاث الأمة من خلال العمل على ثلاث محاور: الأول هو خلق طبقة من القادة السياسيين والعسكريين تتحلى بالإخلاص لقضية الإسلام وتدفعها روح جهادية حقيقية، والثاني: هو بعث الروح في الجماهير المسلمة وتعبئتها خلف قياداتها في حركتها الجهادية، والثالث: هو استعادة سيادة الفكر السني على دولة الخلافة بعد أن كانت مساحات شاسعة من هذه الدولة واقعة تحت سيطرة دويلات شيعية (كما ذكرنا من قبل فإننا لن نتعامل في هذه المقالات مع الجوانب الفقهية والاعتقادية للتشيع، لكننا نهتم هنا بتجليات هذا التشيع وأثره على ثقافة الأمة ومسيرتها الحضارية).
عندما بدأت الحملات الصليبية بعد "ملاذكرد" بثلاث عقود لم تستطع الدولة السلجوقية تحمل الصدمة، ولم تكف الانتصارات المحدودة التي حققتها في بعض المعارك للتعويض عن الهزائم العديدة، واستمر تمدد الصليبيين في أرضنا حتى كونوا ثلاث إمارات بالإضافة إلى مملكة بيت المقدس، ولما تفككت الإمبراطورية السلجوقية إلى عدة إمارات لم تكن كلها تحمل الروح التي قادت سلاطين السلاجقة الكبار، لكن بعضها على الأقل ظل مخلصا لها، ولا ننسى أن أميرا سلجوقيا، هو عماد الدين زنكي، تحقق على يدية أول تحول لسير المعارك، وتمكن من استرداد إمارة "الرها"، ثم خلفه إبنه نور الدين محمود فواصل ما بدأه أبوه، ولا أظنني في حاجة لتذكير القارئ بدور صلاح الدين الأيوبي (الكردي)، لكن ربما لا يعرف الكثيرون أنه كان قائدا من قواد نور الدين، والجيش الذي قاده إلى مصر كان جيش نور الدين، وعندما حكم مصر كان يحكمها باسم نور الدين، ثم خلفة بعد وفاته، فدولة صلاح الدين هي ذاتها التي أنشأها عماد الدين زنكي ونور الدين محمود، والجيش الذي قاده صلاح الدين هو نفس الجيش الذي أسسه وعبأه نور الدين .. لا يمكننا أن نقلل من فضل وجهد صلاح الدين الأيوبي، لكن لا ينبغي أن ننسى أن عمل الأيوبيين كان هو رعاية غرس السلاجقة وجني ثماره.
هذا عن نجاح السلاجقة على المحور الأول، ونستكمل في مقال آخر.